فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 396

هذا لا يمكن أن تتسبب ظروف النمو المقبل وأسلوبه وحدها في التطور الفوضوي، إذا ما حصل مثل هذا في الكوفة. رأيي أنه ينبغي العودة بصفة مطلقة إلى هذين العنصرين الأوليين، نعني وجود الأزقة وما كان من نقص هيكلي في المساحة الصالحة للسكن. يشكل الزقاق، قطعا، جزءا من جهاز المناهج، إلا أنه كان أكثر اندماجا بالمجال الصالح للسكن، لأنه ينفتح على الدور ويقسم القطيعة قسمين. فكان دوره مهمّا فيما سيكون للكوفة من مظهر بحيث صار بمثابة السكة المعهودة التي اندمجت حقا بالنسيج السكني، ولعله بقي العنصر الوحيد من جهاز المناهج، باستثناء المنهج الكبير. لكن الزقاق لما كان عليه من ضيق، كان مع هذا منتظما وغير قابل للضغط. وعلى ذلك، فقد استمر قائما، في حين أن المناهج الأخرى الطولية قضمت وألحقت إلى أقصى حد بالمجال السكني. ومن المعلوم أن المنصور قمع هذه النزعة في بغداد، أي نزوع الأهالي إلى تجاوز المناهج الكبرى، فهدم الدور التي خرجت عن الطرق (1) . ولذا، هناك اندفاع طبيعي أو ما يشبه ذلك يتجه من مناطق السكن إلى مجالات الاتصال. وسبب ذلك رقة القطيعة والخطة بصورة عامة، وكذلك ما فرض من تحديد على عرض القطيعة، مقتبس من عرض المناهج. وهذا جعل منها نوعا من الطريق التي لم تتسع إلا قليلا، وجعل من الخطة القبلية بتمامها بنية تتناوب فيها السيور الخالية والسيور العامرة. وبقدر ما كانت النظرة كبيرة في نسق الطرق، فإنها كانت قد صغرت في نسق القطائع، كأن الطرق تفوقت على القطائع، كما تفوق المجال العمومي على المجال الخاص: هذا تعبير عن استخدام جماعي للمجال من مجموعة تنشر حياتها خارج البيوت. ولا أعتقد أنه يجب اعتبار تصور الحزام السكني بمثابة ثنائية معينة، بين نسق الطرق المستمد من أشكال هلينستية من جهة، ونسق المساكن الذي يكون بذلك عربيا صرفا، حيث أن أسلوب الحياة بالذات يوجب وجود التنقل وتحقيقه بصفة ميسرة.

لقد اتضح لنا أن القطيعة لا تكفي لقبول مزيد من السكان. فهي مصممة لإيواء وحدة بشرية هي العشيرة، ولذا كانت إقطاعا جماعيا يستبعد الملكية الفردية، فانتصبت إطارا ملزما لاستقرار كل فرد من أفراد العشيرة. كان إذن المجال الاجتماعي، كما المجال المادي للقطيعة، يضغط عليها في سبيل الضيق. ومن هنا نجد في الأساس البذرة لكي يتجه التطور المقبل إلى صنف مدني ضاق ضيقا مشطا، بسبب تطور انعكاسي تماما ابتلع فيه المجال السكني نسق الطرق فارضا وجهه المعتم في كل مكان. ويمثل هذا الأمر انتقاما موجها إلى المنهج، مصدره القطيعة. لم يتحول الزقاق إلى طريق مسدودة أو إلى سكة ملتوية، بل إن نقص الفتحات العرضية وأحيانا مجرد فقدانها في التصميم الأصلي، هو الذي

(1) الطبري، ج 7، ص 654.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت