فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 396

الصبغة العسكرية والصبغة البدوية، ولا نعلم عنها إلا القليل. وتكون الكوفة إذّاك في هذه المرحلة الانتقالية السريعة جدا، منظمة حسب تنظيم مرن للمعسكر ولكن دون صرامة الجيوش خلال الحرب ـ وكيف يكون الأمر مخالفا لذلك على أرض عراء؟ ـ وأيد عمر المشروع، ثم تمّ تجاوز هذه الصيغة عاجلا إذ ظهرت رغبة ملحة في الاستقرار، أبداها المقاتلة، فحل دور التخطيط سريعا.

على أنه لا يمكن التحدث بالنسبة لهذه المرحلة الأولى المحددة زمنيا، عن إرادة تعمدت «إنشاء» معسكر، بل كانت إرادة في إقرار جموع المهاجرين على المكان، أي على الأراضي التي استولوا عليها، بمقتضى عدة خيارات أساسية هي: التجمع والقرب من بلاد العرب. أما الأمور الأخرى، أي صيغة المجموعة السكنية، فقد ترك الأمر لرغبات القاعدة. وصادف أن اختارت صيغة التجمع المدني، أي تجمع المجال المبني المهيئ الوظيفي المتلاصق الذي يكون ملكا لهم ولا يصطبغ بصبغة حضارة أخرى. يجب التشديد على تسجيل هذه الرغبة في التخلي عن نمط حياة الترحال، وهذه الجاذبية القوية نحو الاستقرار، وهما خاصيتان تظهران عند المهاجرين في كل العصور. إنها الحاجة الكبيرة إلى الهدوء والمشاركة الاجتماعية. وبهذا فإن عمر لم يرد «إنشاء» معسكر أو مدينة، بل كان «يشير» فقط (كلمة شعبان جاءت في محلها هذه المرة) (1) ، بنقطة للاستقرار والتجمع، على أناس حرضهم على الرحيل خارج بلاد العرب، فما لبثوا أن اختاروا الإطار المديني. وسواء أكانت مادة البناء المستعملة آجرا ـ وهذا كان تقليديا في بلاد الرافدين ـ أم قصبا، فذلك أمر لا يهم كثيرا. المهم أن تعوض هذه المادة الخيمة، فتشكل رمزية الاستقرار. لكن الأهم من ذلك هو أن يأتي التخطيط بعد تقرير البناء، ويتضمن التخطيط جيدا فكرة ال» Planning «أي صورة المدينة المرسومة على الأرض، حتى لو رفضنا أن العرب بكّروا بالبناء الصلب، وأنه وجب ترقب ولاية المغيرة بضع سنوات أخرى. وقد اتفقت المصادر إما على طرح تزامن التمصير والتخطيط وإما على أسبقية التمصير على التخطيط بصورة طفيفة، وهو رأي سيف الذي أضاف فكرة البناء بصفة قطعية. وتوحي لنا المصادر أيضا بتصور إرادة واضحة صادرة عن سعد ومستشاريه: منهم أبو الهيّاج الأسدي، ونصارى الحيرة، وبعض الفرس. فتم على الأقل تحديد المركز السياسي الديني طبق تقنية معينة، وأحيط بخندق، وأقرّت حول ذلك العشائر والقبائل. ووضع داخل المركز مركّب المسجد والقصر، مع أنه كان بدائيا، وإن لم يشيد أو أن بناءه كان متواضعا. وهكذا وضعت الأجهزة الأساسية للمصر وتحددت نهائيا طبق توجيهات دقيقة: إنه خلق لا مراء فيه تم عمليا من أول وهلة. وسوف تمتلئ الكوفة

(1) أمير المؤمنين ـ» first counsellor «، في:. Islamic History ,p.75

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت