فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 396

بداية من هذا التصميم الحاسم وحتى الثابت القّار لحياتها المقبلة. فليست الكوفة معسكرا تحول ببطء إلى مدينة (وبصورة أخرى لم يأت هذا التحول من الخارج، وهذه فكرة مجانبة لا تقبل بتاتا) ، بل مدينة مخططة ممفصلة أحسن بناؤها بمقتضى تصورها الأول. هذا أقل ما يمكن لأوجز الأخبار أن تفرضه على اهتمامنا.

بل يرى سيف كما ذكرنا سابقا، أن المدينة بمعناها الكامل قد أقيمت في زمن سعد، بمناهجها وخططها السكنية وأسواقها وقصرها المشيد وقاعة الصلاة بالمسجد، الخ ... إن التقليد الاستشراقي يخطّئ عادة سيفا (1) ، لكن دون أن يخلو الأمر من تناقض، لأنه يستمد منه كثيرا من الأخبار والحجج. وقد سبق أن دحض كرسويل وفلهاوزن وكايتاني، الذين اعتبروا الغلوة (رمية السهم) قياسا لضلع المسجد، واعتمد جميعهم رواية سيف والبلاذري أيضا. وبصورة أدق، إن سيفا هو الذي أتاح لكرسويل تصور تصميم المسجد، حتى أنه يتقدم بنقاش حول سقف الظلة والنمط الهندسي الذي يستند إليه (2) . ويرى ريتميير أن رواية سيف تسقط واقعا لاحقا، لم يوجد إلا في إمارة زياد، وأن المسجد الأول كان بناية بدائية، بناها العرب بمفردهم (3) ، وهو أمر غير مستبعد. ويوحي ما ورد عند سيف من تناقضات وتضعيفات، كما قلنا، إسقاطات ترد الحاضر إلى الماضي، لكن فيما يتعلق بالبناء أو إنهاء البنايات أكثر مما يتعلق بالتخطيط ذاته. ما هي القاعدة التوثيقية التي يستند إليها كرسويل (4) ، وأية حجة منطقية يعتمد ليصرّح بأن عرض السكك يجب تأريخه في إمارة زياد؟ يعترف من جهة أنه كان يوجد بداية خمس عشرة سكة ـ منفذ لم يذكرها إلا سيف. وينسب من جهة ثانية تقرير عرضها إلى زياد في حين أن المساس بنسق الطرق يبدو صعبا بعد ثلاثين سنة من إنشائها، دون خلخلة تنظيم السكن بصورة خطيرة. وما نريد تقريره هو أنه لا يخول للمؤرخ رفض رواية سيف الثمينة ما لم يكتشف اسقاطا واضحا جدا أو تضاربا فادحا ضمن الرواية، أو مع أغلب المصادر الأخرى. التخطيط إذن كما تحدثنا عنه طويلا، حصل فعلا إثر الإنشاء وبميزات لا تنفك تثير إعجابنا إذا ما فكرنا في سرعة الحركة، ووضوح التصور، وروح التنظيم. لكن السرعة ليست لتفاجئنا، وقد جدت في مرحلة تاريخية مشبعة بالمبادرات، مفعمة بالقرارات، تبعث على الخلق بصورة عالية، مغطية مسارها على وتيرة لاهثة. يوجد في البنية الداخلية للكوفة الأولية كما ثبّتها التخطيط، جانب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت