فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 396

الزّمان الكوني، الزّمان الخرافي والزّمان التاريخي

مع الإسلام، كان ظهور التاريخية لدى العرب، لا بمعنى أنهم راحوا يصنعون واقعا تاريخيا جديدا تكرّسه تورخة جديدة مطلقة ـ تورخة الهجرة ـ وحسب، بل أيضا بمعنى إقدامهم على زلزلة خيال الماضي التاريخي، خيال ما يمكن استذكاره وما لا يمكن استذكاره على حد سواء. ففي المقام الأول، أدخل القرآن الخطاب التاريخي، لأنّه شاء أن يكون نذيرا وبشيرا. كما أتى، وعلى مستوى أرفع، بنظرة زمانية كونيّة، لأنّه شاء أن يكون تفسيرا لصيرورة الخلق تحت عين الله ورعايته. وبعد خمسين عاما، سار التراث الإخباريّ العربيّ على الطريق التي رسمها القرآن، التي كانت بلا ريب، طريق الذّاكرة القبليّة وما كان بين القبائل، فأنتج تاريخا أسطوريا كلّما تعلّق الأمر بالأزمنة الخالية، بالزمان الأصليّ.

إن التراث التاريخي الحديث، مع ثغراته الكبيرة، يمكنه وحده الادّعاء بامتلاك زمن تاريخي واقعي، خاص بالعرب القدامى. زد على ذلك أنّ الزمان الكوني والزماني الخرافي هما اللذان يسودان على الخطاب القرآني وعلى خطاب التراث والسنّة معا. الأمر الذي لا يستبعد التموضع في الأفق التاريخي، وهو شيء آخر. فقد حاول التراث العربي، من باب النسابة، أن يهيمن على الزّمن الغابر وأن يكتشف مبدأ منظّما للواقع المنصرم. بينما حاول الخطاب القرآني، من طريق الوحي والتنزيل، الإلمام بالتاريخ العربي، تاريخ المدن المدمّرة والممالك الزائلة، ما خلا مكّة، وهي مدينة أخرى، تتّصل بالمستوى العالمي والكوني. إلّا أن التراث العربي أضفى بناه الجينيالوجية والخرافيّة على المعطى القرآني الذي طوّر لاحقا كوسمولوجيّته الخاصة بمكّة تطويرا كبيرا. فهنا وهناك، تدهشنا رؤية الماضي وتفاجئنا بتماسكها وربما لهذا السبب غذّت وأرضت أجيالا بكاملها. وربما أيضا، بلا ريب، لأنّ الخرافة قرّبت كثيرا من التاريخي والعقلاني، فكان ترميزها ضعيفا، بحيث ظهرت بصعوبة في مظهر الخرافة بالمعنى الدقيق، الخرافة المتمفصلة بنيويا، وبدلا من ذلك ظهرت كأنها لغة تاريخية ذات تلوين خرافي.

هذه الملاحظات صحيحة بنحو خاص بالنسبة إلى الماضي العربي السحيق، ذلك الذي يرقى إلى قرنين أو ثلاثة قرون قبل الإسلام، ولنقل على سبيل الاستدلال المعياري الخارجي، إلى ما قبل عهد سابور الأول (325) الذي أنشأ الأنبار وقمع الحركات العربية الحدوديّة. وأبعد من ذلك، نشعر حقا، في الواقع، أنّ الزّمان يفقد عمقه الواقعي بالنسبة إلى تراث الإخباريين. وأنّه ينحلّ في الخرافي ويتمسّك بالمقومات القرآنيّة، محاولا بناء ذاته من خلال النسابة (الجينيالوجيا) وبها. إن التراث العربي غارق في ظلام دامس على صعيد مداره الثقافي الخاص، لحقبات تبدو لنا مغرقة في القدم، ونعرفها تماما في حقول تاريخية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت