فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 396

أخرى، مثل التاريخ الروماني أو الهلنيستي. ومع ذلك، كان العرب يعلمون، من خارج التأريخ، أنّ هناك ماضيا سحيقا لا تظهر آثاره فقط في النص وهو ذاته وثيقة من القرن السابع، بل تظهر أيضا في الذاكرة الجماعيّة لأن الابتكار لا يمكنه أن يكون مرتجلا. زد على ذلك أنّ تلك الآثار كانت منظورة في آثار البتراء وتدمر ومدن اليمن.

من المؤكد أن العرب، في فترة التنزيل، كانوا مهيّأين للدخول في التاريخ الكبير، وأن الذاكرة الجماعية في لحظة ما كانت تعلم أو تعتقد أنه كان هناك ماض قديم لكنّه مختلف، وكانت تتعلّق بأسماء شعوب أو مدن ـ عاد، ثمود، إرم، عمالقة، جرهم، طسم، جديس ـ ربما كانت مجرّد أسطورة، ولكنها لم تكن بلا أساس تاريخي، فجاء القرآن وتورخها في كل حال (1) . هذه الأسماء نجدها في الشعر العربي قبل الإسلام، لدى الشعراء المتأخرين كالأعشى أو أمية بن أبي السّلط (2) . وبوجه خاص، كان مناهضو القرآن، بشهادة القرآن ذاته، يميلون إلى الاعتراف بهم، بمعزل عن تصنيفهم في خانة «أساطير الأوّلين» (3) . وإن ما كان العرب يجهلونه هو تاريخ بني إسرائيل، الأجنبي، الغريب عنهم. في المقابل، كان التاريخ الآخر مألوفا لديهم، وكان ينهل من المنهل الخرافي ـ التاريخي العربي الصميم. عمليا، كان ازدواج الوعي العربي القديم يترجم في آن الطابع التاريخي واللاتاريخي للواقع العربي. وكان هذا البحث عن الماضي المحلي المحض، في القرآن والشعر والتراث الشفهي، يشهد على البحث عن التواصل، ولكن مما يلاحظ بشكل مرموق هو أن التراث الإخباري كان يطرح تفاصلا غريبا في مجرى التاريخي العربي.

لئن كان القرآن يخضع الرؤيا القياميّة للتاريخ العربي ـ رؤية المدن البائدة والشعوب المنقرضة من غضب الله ـ للعبرة، ولئن كان يحصر هذا التاريخ في سلسلة الأنبياء المنكرين، فإنه يربطه أيضا بالجذع المشترك، جذع ابراهيم ونوح وآدم، وتاليا يعاود وضعه في الصيرورة البشرية والكونية، لأن التورخة تستهدف الأصول. والحال، فإنها تخبرنا أن العرب الأولين، البائدة، هم الوحيدون الذين كانوا من العاربة، من العرب الحقيقيين، وأن الآخرين، المنحدرين من صلب عدنان بوجه خاص، وكذلك من قحطان، حسب البعض، ربما كانوا من العرب المستعربة (4) ، أي من العرب غير الأصلاء جذريا والذين لم

(1) القرآن 7، 71 ـ 77؛ 9، 64 ـ 67؛ 15، 80 ـ 86؛ 54، 23 ـ 31؛ السيرة، ص 68 ـ 71؛ المسعودي، مروج، ج 2، ص 153 ـ 155، 156 ـ 160، 161 ـ 178؛ الثعالبي، قصص الأنبياء، القاهرة 1290 ه‍، ص 58 وما بعدها.

(3) القرآن 83، 13.

(4) المسعودي، مروج، ج 2، ص 163 ـ 167؛ ابن حزم، جمهرة، ص 8 ـ 9، لا يتحدّث إلّا عن العاربة؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت