ويُنعتُ أتباع الفقه الحنبلي بضيق الصدر، والتزمت، وصلابة الرأي، وكُنَّا إلى عهد قريب نتوهم أنّ مذهب الحنابلة في الفروع شديد الحرج، صعب التكاليف، فلمّا قيّض الله لنا أنْ نقرأ عن أبي البقاء، وعن فقه الحنابلة، تأكّد عندنا أنّ مذهب الحنابلة في الأحكام الفرعية ليس من العسر والحرج والضيف في قليل أو كثير، ومرجع المقولة التي يتناقلها العامة، حين يقولون للشخص إذا كان متزمتا، أو متعنتا: أنت حنبليّ، عائد إلى الموقف الرائع، الذي وقفه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من خلفاء بني العباس في عصره، في المحنة التي عُرِفت باسم: محنة القول بخلق القرآن، وإلى مسلكهم الذي سلكوه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإلى تضييقهم على أنفسهم؛ اتقاءً للشبهات.
ـ القادري: لم يقل بهذه النسبة أحد من طلابه الدارسين عليه، وإنما ذكرها إسماعيل البغدادي [1] (ت: 1339 هـ) ، وهو من المتأخرين، ونحسب أنها نسبة إلى إحدى الطرق الصوفية، التي تُنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلي [2] (ت: 561 هـ) ، الذي كان من الصلاح على حال، وهو حنبلي المذهب، تصدّر للتدريس والإفتاء في بغداد، وتُعرف طريقته بالطريقة القادرية، ويبدو أنّ البغدادي نسب أبا البقاء إلى هذه الطريقة لمّا رآد دَيِّنَا ورعا صالحا، حسن الأخلاق، رقيق القلب [3] .
وما من شك أنّ البغدادي كان واهما عندما نسبه إلى هذه الطريقة، لأنه لم يقل بها أحد ممن عاصروا أبا البقاء العكبري، ودرسوا عليه، وترجموا له، كياقوت الحموي (ت: 626 هـ) وابن المستوفي (ت: 637 هـ) ، وابن الدبيثي (ت: 637 هـ) ، وابن النجار (: 643 هـ) والمنذري (ت: 656 هـ) ، وابن الساعي (ت: 674 هـ) وغيرهم.
وكما نُسِب أبو البقاء إلى المواطن والمذاهب، نُسِب إلى العلوم التي برع فيها، فقيل: النحوي، والفرضي، واللغوي، والعروضي، ونُعِت بالفقيه، والمفسِّر، والحاسب، والمُقرئ، والمحدِّث، كما نُعِت بالضرير.
ولم أجد من المؤرخين مَن نسبه إلى العرب، أو إلى غيرهم، فقد صمتت المصادر عن ذلك صمتا مطبقا، فلم يُنسب إلى أيٍّ من القبائل العربية، لا بالأصالة، ولا بالولاء، فأغلب الظن أنه عربي صميم، فلو كان من غير العرب؛ لنبّه على ذلك المؤرخون، ومما يُرجح هذا الظن ما وجدناه مسطورا على الصفحة الأولى من مخطوطة شرح ما في المقامات الحريرية من الألفاظ اللغوية، فقد جاء لقبه بعد اسمه واسم أبيه هكذا: (العكبري العبادي) ، ويرجع تاريخ
(1) إسماعيل البغدادي، هدية العارفين 1/ 459
(2) انظر ترجمته في: الكامل في التاريخ 9/ 482، والمقصد الأرشد 2/ 148
(3) الضائع من معجم الأدباء، ص 149