بسم الله الرحمن الرحيم
قال عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني رحمه الله: اتصل بي وأنا بمكة، حرسها الله تعالى، ما قد أظهر بشر بن غياث المريسي [1] ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس، وما قد وقع إليه الناس من المحنة، والأخذ بالدخول في هذا الكفر والضلالة، وترهيب الناس وتفزّعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسِرون به قوله، ويدحضون حجته، ويبطلون مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم، وانقطاعهم عن الجُمُعات والجماعات، وهروبهم من بلد إلى بلد؛ خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على كفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه؛ رغبة في الدنيا، ورهبة من العقاب في الدنيا؛ لسطوة الأكابر.
قال عبد العزيز: فأزعجني ذلك من وطني، وأقلقني وأسهر ليلي، وأدام فكري، وغمّني وهمني، فخرجت من بلدي متوجها إلى ربي عزّ وجل، أسأله سلامتي وتبليغي، حتى قدمت بغداد، فشهدت من تغليظ الأمر واحتداده أضعاف ما كان يتصل بي، ففزعت إلى ربي، أدعوه وأتضرع إليه راغبا وراهبا، وأضع له خدي، وأبسط إليه يدي، وأسأله إرشادي وتسديدي وتوفيقي ومعونتي، والأخذ بيدي، وأن يسلِّمَني، ولا يكِلني إلى نفسي، وأن يفتح لفهم كتابه قلبي، وأن يُطلق لشرح بيانه لساني، وأخلصت لله تعالى نيّتي، ووهبت لله تعالى نفسي، فعجّل الله تعالى إجابتي، وثبّت عزيمتي، وشجع جناني، وفتح لفهم كتابه قلبي
(1) المريسي: بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن مولى زيد بن الخطاب؛ هو بشر المريسي. كان من أعيان أصحاب الرأي، أخذ عن أبي يوسف، وبرع في الفقه، ونظر في الفلسفة، وجرد القول بخلق القرآن، وناظر عليه، ودعا إليه؛ وكان رأس الجهمية، أخذ عن الجهم بن صفوان. قال الشيخ شمس الدين: فيما أرى، ثم تبينت أنه لم يدرك الجهم. قال أبو النصر هاشم. كان أبوه يهوديًا قصارًا. وتوفي سنة ثمان عشرة ومائتين. وهو الذي ناظر الشافعي بين يدي الرشيد، وقال له: ما تقول في القرآن؟، فقال له الشافعي: إياي تعني؟ فقال بشر: نعم. فقال: مخلوق؛ فسلم من شره. وكان بشر مرجئًا، وإليه تنسب الطائفة المريسية، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ولكنه علامة للكفر. وكان لا يعرف النحو ويلحن لحنًا فاحشًا. الوافي بالوفيات، ص 7719 ـ 7720 / الموسوعة الشعرية.