هذه المقالة إلى مجلسه، أعلاه الله، في يوم الاثنين الآتي، وتحضر معهم للمناظرة بين يديه، أيده الله، ويكون هو الحاكم بينكم.
قال عبد العزيز: فأكثرت حمد الله تعالى على ذلك، وشكرته، وأكثرت الشكر والدعاء لأمير المؤمنين، فقال لي عمرو بن مسعدة: أعطنا كفيلا بنفسك حتى تحضر معهم يوم الاثنين، وليست بنا حاجة إلى حبسك، فقلت له: أعزّك الله، أنا رجل غريب، ولست أعرف في هذا البلد أحدا، ولا يعرفني أحد من أهله، فمن أين لي مَن يكفلني! وخاصة مع إظهار مقالتي، لو أنّ الخلق يعرفوني لتبرؤا مني، وهربوا من قربي، وأنكروا معرفتي، قال عمرو، فنوكّل بك من يكون معك، حتى يُحضِرك في ذلك اليوم، وتنصرف، فتُصلِح من شأنك، وتفكّر في أمرك، فلعلك أنْ ترجع عن غيك، وتتوب من فعلك، فيصفح أمير المؤمنين عن جُرمك، فقلت: ذلك إليك، أعزك الله، فافعل ما رأيت، فوكّل بي مَن يكون معي في منزلي، وانصرفت.
قال عبد العزيز: فلما كان في يوم الاثنين صلّيت الغداة في مسجدي الذي كان على باب منزلي، فلما فرغت من الصلاة إذا بخليفة عمرو بن مسعدة قد جاءني، ومعه جمع كثير من الفرسان والرجّالة، فحملني مكرما على دابة /3 ب حسنة، حتى صار بي إلى باب أمير المؤمنين، فأوقفني حتى جاء عمرو بن مسعدة، فجلس في حُجرته التي كان يجلس فيها، ثم أذِن لي بالدخول عليه، فدخلت، فلما صرت بين يديه أجلسني، ثم قال لي: أنت مقيم على ما كنت عليه، أو رجعت عنه؟ فقلت: بل مُقيم على ما كنت عليه، وقد ازددت بتوفيق الله تعالى إياي بصيرة في أمري، فقال لي عمرو: أيها الرجل، قد حملت نفسك على أمر عظيم، وبلغت الغاية في مكروهها، وتعرضت لما لا قوام لك به من مخالفة أمير المؤمنين، وادّعيت ما لا تثبت لك به حجة على مَن خالفك، ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد الحجة عليك إلاّ السيف، فانظر لنفسك، وبادر لأمرك، قبل أنْ تقع المناظرة، وتثبت عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة، ولا تُقبل لك معذرة، ولا تُقال لك عثرة، فقد رحمتك وأشفقت عليك، مما هو نازل بك، وأنا أستقيل لك أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، وأسأله الصفح عن جرمك، وعظيم ما كان منك