، وإياك والجزع، واعلم علما يقينا أنه إنْ أظهرت حجتك عليهم انكسروا، وانقطع كلامهم عنك، وأذللتهم، وغلبتهم، ولم يقدروا لك على ضرر، ولا مكروه، وصار أمير المؤمنين وسائر الأولياء والرعية معك عليهم، وإنْ ظهرت حجتهم عليك أذلّوك وقتلوك وشهروك، وجعلوك للخلق عبرة، فاجمع فهمك ومعرفتك، ولا تدع شيئا مما تحسنه، وتحتاج أنْ تتكلم به خوفا من أمير المؤمنين، أو من أحد غيره، وتوكل على الله، واستخر الله تعالى، وقم فادخل، فقلت له: جزاك الله خيرا، فلقد أدّيت النصيحة، وسكّنت الروعة، وآنست الوحشة، وخرج، وخرجت معه إلى باب الصحن.
قال عبد العزيز: فشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي، وجعل أقوام يتعادون بي، وأيديهم في ظهري، وعلى عنقي، فجعلت أسمع أمير المؤمنين وهو يقول: خلّوا عنه، وكثر الضجيج من الحُجَّاب والأولياء بمثل ذلك، فخلوا عني، وقد كاد عقلي يتغيّر من شدة الفزع، وعظيم ما رأيت في ذلك الصحن من السلاح والرجال، وقد انبسطت عليهم الشمس، وهم ملء الصحن صفوفا، وكنت قليل الخبرة بدار أمير المؤمنين، ما رأيتها قبل ذلك، ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت هناك، فسمعته يقول: قرِّبوه، قرّبوه، فلما دخلت من باب الإيوان، وقعت عيني عليه، وقبل ذلك لم أتبينه لِما كان على الإيوان من الحُجّاب والقواد والوزراء، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، فقال: ادنُ مني، فدنوت، ثم قال: ادن مني، فدنوت، فكرر ذلك عليّ مرات، وأنا أدنو خطوة خطوة، حتى صرت في الموضع الذي يجلس فيه المناظرون، قال لي المأمون: اجلس، فجلست.
قال عبد العزيز: فسمعت رجلا من جلسائه يقول، وقد دخلت من باب الإيوان: يا أمير المؤمنين، يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، لا والله ما رأيت خلقا أقبح وجها منه، فسمعته يقول هذا، وفهمته، ورأيت شخصه على ما بي من الرعدة والجزع، وتبيّن لأمير المؤمنين ما أنا فيه، وما نزل بي من الجزع والخوف، وجعل ينظر إليّ، وأنا أرتعد، فأراد أن يؤنسني، ويسكّن عنّي ما لحقني، وأنْ ينشطني، فجعل يكثر كلام جلسائه، ويكلّم خليفته عمرو بن مسعدة، ويتكلم