فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 121

إنما أراد بهم أمرين: إما أنْ [1] يقولوا يسمعوننا حين ندعوهم، وينفعوننا، ويضروننا، فيشهد عليهم بلغة قومهم أنهم قد كذبوا، أو يقولوا: لا يسمعوننا، ولا ينفعوننا، ولا يضروننا، فينفون عن ألهتهم القدرة، وعلموا أن الحجة لإبراهيم عليه السلام في أي القولين أجابوه عليهم قائمة، فحادوا عن كلامه، واجتلبوا كلاما من غير ما سألهم عنه، فقالوا [بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ] [2] ، ولم يكن هذا جوابا لمسألة إبراهيم عليه السلام، ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال لمعاوية بن بي سفيان، وقد قدِم عليه يكاد يتفقأ شحما، فقال له: يا معاوية، ما هذه الشحمة، لعلها من نومة الضحى، ورد الخصوم، فقال له معاوية: يا أمير المؤمنين، يرحمك الله، علّمني وفهمني/ ولم يكن هذا جوابا لقول عمر رضي الله عنه، إنما حاد 11 أ عن جوابه لما فيه، فاجتلب كلاما غيره، فأجاب به، وأما الحيدة في كلام العرب، فقول امرئ القيس [3] :

تَقولُ وَقَد مالَ الغَبيطُ بِنا مَعًا ... عَقَرتَ بَعيري يا اِمرَأَ القَيسِ فَاِنزُلِ

فَقُلتُ لَها سيري وَأَرخي زِمامَهُ ... وَلا تُبعِديني مِن جَناكِ المُعَلَّلِ ... ولم يكن هذا جوابا لقولها، وإنما حاد عن جوابها، واجتلب كلاما غيره.

قال عبد العزيز: فأقبل المأمون على بشر، وقال: يا بشر، يأبى عليك عبد العزيز إلاّ أن تقول إن لله علما فأجبْه، ولا تحدْ عن جوابه، قال بشر: قد أجبته أنّ معنى العلم أنه لا يجهل، وهذا هو جوابه، ولكنه يتعنت.

قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين صدق، الله تعالى لا يجهل، ولم تكن مسألتي عن هذا، إنما سألته أن يقر بالعلم الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه، وأثبته لنفسه، ولم أسأله عن الجهل، فينفي الجهل عن الله تعالى، فليقرّ أنّ لله علما، وليقل إنّ الله لا يجهل.

قال عبد العزيز: ثم التفت إلى بشر، ثم قلت له، لا بدّ من أن تقول: إنّ لله علما كما أخبر، أو تردّ إخبار الله تعالى بنص التنزيل، أو يقف أمير المؤمنين على حيدتك عن جوابي، فجعل يقول: يا أمير المؤمين إنّ نفي الجهل عنه هو

(1) كتب: إنما.

(2) الشعراء 74

(3) من البحر الطويل، ديوانه، الموسوعة الشعرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت