الصفحة 33 من 57

أطال الله مدَّتك ، وأدام في العلوم رغبتك ، فالهوى مَركِب يَهوِي بصاحبه ، وظَهْر يعْثَر براكبه ، وليس من الحزم أنْ يُزرِي العالم على نفسه بالعَصيَّة ، ويضع من علمه بالحميَّة ، فالناس مع اختلافهم ، وتباين أصنافهم متّفقون على أنَّ تغليب الأهواء ، يطمس أعين الآراء ، وأنَّ الميل عن الحق يُبهم سبيل الصدق ، وكنت ذاكرت بعض من يتوسّم بالأدب الأشعار ، وقائلها ، والمجودين فيها ، فسألني عن المتنبي ، فقلت: إنه بعيد المرمى في شعره ، كثير الإصابة في نظمه ، إلاّ أنه / ربما يأتي بالفقرة الغراء ، مشفوعة بالكلمة العوراء ، 2 ب فرأيته قد هاج وانزعج ، وحمي وتأجج ، وادّعى أنَّ شعره مستمر النظام ، متناسب الأقسام ، ولم يرض حتى تحدَّاني ، فقال: إنْ كان الأمر كما زعمت فأثبت في ورقة ما تنكره ، وقيد بالخطبة ما تذكره ؛ لتتصفحه العيون ، وتسبكه العقول ، ففعلتُ ، وإنْ لم يكن تطلّب العثرات من شيمتي ، ولا تتبع الزلاّت من طريقتي ، وقد قيل: أيّ عالم لا يهفو ، وأيّ صارم لا ينبو، وجواد لا يكبو ، وإنما فعلتُ ما فعلتُ لئلا يُقدِّر هذا المعترض أني ممن يَروي ، قبل أن يُروَى ، ويُخبِر قبل أن ُيَخبُر، فاسمع وأنصت ، واعدل وأنصف ، فما أوردت فيه إلاّ قليلا ، ولا ذكرت من عظيم عيوبه إلاّ يسيرا ، وقد بُلينا بزمن ، زمن يكاد المنسم فيه يعلو الغارب ، ومُنِّينا بأعيار أغمار ، اغترّوا بممادح الجهَّال ، لا يضرعون لمن حلب الأدب أفاويقه ، والعلم أشطره ، لاسيما على الشعر، فهو فوق الثريا ، وهم دون الثرى، وقد يوهمون أنهم يعرفون ، فإذا حكموا رأيت بهائم مُرسَّنة / وأنعاما مجفلة ، وها أنا منذ عشرين سنة أجالس 3 أ الشعراء ، وأكاثر الأدباء ، وأباحث الفضلاء ، وعشرين أخرى آخذ عن رواة محمد بن يزيد المبرد ، وأكتب عن أصحاب أحمد بن يحيى ثعلب ، فما رأيت مَنْ يعرف الشعر حق معرفته، وينقده نقد جهابذته ، غير الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت