الصفحة 34 من 57

أدام الله أيامه ، وحصّن لديه أنعامه ، فإنه يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات ، ولا يرضى بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخيُّر القافية والوزن ، وعن مجلسه أعزه الله تعالى أخذت ما أتعاطى من هذا الفن ، وبأطراف كلامه تعلّقت فيما أتحلّى من هذا الجنس ، وقد قال أبو عثمان الجاحظ: طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلاّ غريبه ، فرجعت إلى الأخفش فلقيته لا يُتقن إلاّ إعرابه ، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقد إلاّ ما اتّصل بالأخبار ، وتعلّق بالأيام والأنساب ، فلم أظفر بما أردت إلاّ عند أدباء الكتاب ، كالحسن بن وهب ، ومحمد بن عبد الملك / الزيات ، فلله أبو عثمان ، لقد غاص على سرّ الشعر ، واستخرج أدقّ مِن الشَّعْر 3ب وفي هذا النمط ما حدثني محمد بن يوسف الحمادي ، قال: حضرت مجلس عبيد الله بن طاهر ، وقد حضره البحتري ، فقال: يا أبا عبادة مُسلم أشعر أم أبو نواس ، فقال: بل أبو نواس ؛ لأنه يتصرف في كل طريق ، ويتنوع في كل مذهب ، إنْ شاء جدّ ، وإنْ شاء هَزَل ، ومُسلم يلزم طريقا واحدا ، لا يتعداه ، ويتحقق بمذهب لا يتخطاه ، فقال له عُبيد الله: إن أحمد بن يحيى ثعلبًا لا يوافقك على هذا ، فقال: أيها الأمير ، ليس هذا من علم ثعلب وأحزابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله ، وإنما يعرف الشعر مَنْ دُفع إلى مضائقه ، فقال: وَرَيتُ بك زِنادي ، يا أبا عبادة إنّ حكمك في أبي نواس ومُسلم وافق حكم أبي نواس في جرير والفرزدق ، فإنه سُئل عنهما ففضّل جريرًا ، فقيل له: إنّ أبا عبيدة لا يوافقك على هذا ، فقال: ليس هذا من علم أبي عبيدة ، إنما يعرف الشعر مَنْ دفع مضائقه ، ومن أحسن ما قيل في انتقاد / 4 أ الشعر ما أنشدنيه أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم النديم ، قال: أنشدني عمّي أبو أحمد لنفسه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت