أن قوله:"أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن أراد بذلك أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة رضي الله عنهم فهذا كذب عليهم. فإن هؤلاء الأئمة لم تكونوا في عصر واحد بل أبو حنيفة توفي سنة خمسين ومائة، ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي سنة أربع ومائتين، وأحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى. وليس في هؤلاء من يقلد الآخر، ولا من يأمر باتباع الناس له بل كل منهم يدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة إذا قال غيره قولًا يخالف الكتاب والسنة عنده رده ولا يوجب على الناس تقليده.
وإن قلت: إن أصحاب هذه المذاهب اتبعهم الناس فهذا لم يحصل بمواطأة، بل اتفق أن قومًا اتبعوا هذا وقومًا اتبعوا هذا. كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على الطريق فرأى قوم دليلًا خريتًا فاتبعوه، وكذلك آخرون. وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك اتفاق أهل السنة على باطل، بل كل قوم ينكرون ما بل كل قوم ينكرون ما عند غيرهم من الخطأ فلم يتفقوا على أن الشخص المعين عليه أن يقبل من كل واحد من هؤلاء ما قاله، بل جمهورهم لا يأمر العامي بتقليد شخص معين غير النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يقوله. والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن جعل عددًا من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء، كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق. ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل كبعض المسائل التي أوردها - يعني الرافضي - كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلًا إلى أن قال: