وهو عيسى ابن خالته مريم، فقال له: أشهد أنك عبد الله ورسوله، فكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وكان البيت يضيئ من نوره، وأُوتي الحكمة وهو صبي ابن ثلاث سنين، وفهم التوراة، فأحكم الله تعالى عقله في صباه.
وعيسى: أي وتكلّم في المهد عيسى بن مريم عليهما السلام، وضعته ببيت لحم [1] ، قرية بالشام، تلقاء بيت المقدس، على أربع مراحل، ناداها [أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا] [2] فحملها يوسف النجار مع ابنها، وأدخلها في غار، فمكث فيه أربعين يوما، حتى خرجت من نفاسها، ثم جاءت به تحمله إلى قومها، فكلّمها في الطريق، وقال لها: يا أماه! أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على أهلها بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين، وقالوا لها: [يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا] [3] فظيعا عظيما مُنْكرا [يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ] [4] زانيا، [وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ] [5] حنة [بَغِيًّا] [6] زانية، فمن أين لك هذا الولد؟ وجعلوا يرمونها بالحجارة [فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ] [7] أنْ كلّموه؛ ليجيبكم؛ لأنّ تفويض الكلام إلى الأفضل أوكد، فغضبوا، و [قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ / فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا] ، ولم يُعهد أنّ عاقلا كلّم صبيا في 4 المهد، فجاء إليها زكريا عليه السلام، قال له انطق بحجتك إنْ كنتَ أُمرت بها، فقال [إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ] [8] الآية، فأقرّ لله بالعبودية أول كلامه تكذيبا للنصارى، والتزاما للحجة عليهم، فلمَّا تكلّم بذلك، تركوها، ثم لم يتكلّم بعد ذلك حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
(1) يتُ لحم: بالفتح وسكون الحاء المهملة. بلد قرب البيت المقدس، مهد عيسى بن مريم. عليه السلام قال مكيُ بن عبد السلام الرميلي، ثم المقدسي: رأيت بخط مشرف بن مرجا بيت لخم بالخاء المعجمة وسمعت جماعة يروونه من شيوخنا بالحاء المهلمة وقد بلغني أن الجميع صحيح جائز. قال البشاري: بيت لحم قرية على نحو فرسخ من جهة جبرين بها ولد عيسى بن مريم عليه السلام وثم كانت النخلة وليس ترطب النخيل بهذه الناحية ولكن جُعلت لها آية وبها كنيسة ليس في الكورة مثلها. ولما ورد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى البيت المقدس أتاه راهب من بيت لحم فقال له معي منك أمان على بيت لحم فقال له عمر ما أعلم ذلك فأظهره وعرفه عمر. فقال له الأمان صحيح ولكن لا بد في كل موضع للنصارى أن نجعل فيه مسجدًا فقاد الراهب إن ببيت لحم حنية مبنية على قبلتكم فاجعلها مسجدًا للمسلمين ولا تهدم الكنيسة فعفَا له عن الكنيسة وصلى إلى تلك الحنية واتخذها مسجدًا وجعل على النصارى إسراجها وعمارتَها وتنظيفَها ولم يزل المسلمون يزورون بيت لحم ويقصدون إلى تلك الحنية ويصلون فيها وينقُلُ خلفهم عن سلفهم إنها حنية عمر بن الخطاب وهي معروفة إلى الآن لم يغيرها الفرنج لما ملكوا البلاد ويقال: إن فيها قبر داود وسليمان عليهما السلام. معجم البلدان 1/ 379 / المكتبة الشاملة.
(2) مريم 24
(3) مريم 27
(4) مريم 28
(5) مريم 28
(6) مريم 28
(7) مريم 29
(8) الآية بتمامها: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. مريم 30