وإبراهيم: أي وتكلّم في المهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حين وضعته أمه في الغار المذكور؛ خوفا عليه من نمرود بن كنعان، الذي هو أول مَن وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته أن يقتله؛ لأمره بذبح الغلمان، حين رأى كوكبا طلع وذهب ضوء الشمس في منامه، وسأل الكهنة على ذلك، فأخبروه بأنه مولود يوجد في ناحيتك، في هذه السنة، يغيّر دين أهل الأرض، ويكون هلاكك، وزوال ملكك على يديه، فلمَّا فارق بطنها، استوى قائما على قدميه، وقال: لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، الذي هدانا لهذا، فبلغ صوته المشارق والمغارب، وكانت أمه / تختلف إليه 3 لترضعه، فتجده يمصّ أصابعه، فيرضع من أصبع لبنا، ومن أصبع ماء، ومن أصبع سمنا، ومن أصبع عسلا، فمكث في الغار خمسة عشر شهرا، وكان يومه كشهر، وشهره كسنة في الشبابة؛ حتى قال لأمه: أخرجيني، فأخرجته عشاء، فنظر، وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إنّ الذي خلقني ورزقني، وأطعمني وسقاني الوليّ الذي لا إله غيره ,
موسى: أي وتكلّم في المهد موسى عليه الصلاة والسلام، حين ولدته أمه، وسألت الله عزّ وجل أنْ يحفظه عليها، ويرزقها الصبر، استوى قاعدا، وقال: يا أمي، لا تخافي ولا تحزني إنّ الله معنا، ولمَّا وضعته في التنور، وخرجت لحاجة لها، دخل هامان [1] يفتِّش المنزل، وكانت أخت موسى قد أسجرت [2] التنور نارا حتى عجنت، ولم تعلم أنّ أخاها فيه، فلما جاء إلى التنور وجده مسجورا بالنار، انصرف، فلمَّا رجعت أمه أسرعت نحوه، فوجدته يغلي نارا، فلطمت، وقالت: أحرقتم ولدي، فناداها مِن داخله: لا تخافي فإنّ الله قد منعني من النار، فلم تحرقني، فأدخلت يدها فأخرجته، ولم تمسّه النار.
فاعلما: أي فاعلم أيها الواقف على ما في النظم المشهور من يحيى وموسى عليهما السلام.
يحيى: أي وتكلّم في المهد يحيى عليه الصلاة والسلام حين ولدته أمه أشياع، وكانت بنت ثمان وتسعين سنة، وأبوه زكريا ابن تسع وتسعسن، فصدّق بكلمة الله،
(1) هامان: وزير فرعون.
(2) سَجَرَه يَسْجُرُه سَجْرًا وسُجورًا وسَجَّرَه: ملأَه. وسَجَرْتُ النهَرَ: ملأْتُه. وقوله تعالى: وإِذا البِحارُ سُجِّرَت؛ فسره ثعلب فقال: مُلِئَتْ، قال ابن سيده: ولا وجه له إِلا أَن تكون مُلِئَت نارًا. وقوله تعالى: والبحرِ المَسْجُورِ؛ جاء في التفسير: أَن البحر يُسْجَر فيكون نارَ جهنم. وسَجَرَ يَسْجُر وانْسَجَرَ: امتلأَ. وكان علي بن أَبي طالب، عليه السلام، يقول: المسجورُ بالنار أَي مملوء. قال: والمسجور في كلام العرب المملوء. وقد سَكَرْتُ الإِناء وسَجَرْته إذا ملأته. لسان العرب (سجر)