الصفحة 46 من 412

من الصفات، فكيف يصح الجمع بينهما، فالإبد بالدال، وحينئذ يستقيم قوله: ولا ثالث لهما، أي في الصفات.

قال ثعلب: لم يأت من الصفات على فِعِل إلاّ حرفان: امرأة إِبِد، أي ولود، وأتان بِلِز، أي ضخم، فالمصنف ما أراد حصر مجيء الفِعِل مطلقا في المثالين المذكورين، وإلاّ لكان لفظ نحو لغوًا، إذ لا نحو لهما حينئذ، بل أراد حصر مجيء الفِعِل صفة في المثالين، فعمّم أوّلًا جواز إسكان العين في كل فِعِل اسما كان أو صفة بقوله: ونحو إِبِد وبِلِز، يجوز فيهما إِبْدٌ وبِلْزٌ، ثم خصص ثانيا إتيان الفِعِل في الصفات بالمثالين المذكورين بقوله: ولا ثالث لهما، هذا ما ذكروه، والحق ما ذكرناه أوّلا، يؤيده ما ذكر الزوزني [1] من أنه أجمع البصريون على أنه لم يأت على فِعِل من الأسماء إلا إبل، ومن الصفات إلا بِلِز، وحكى الكوفيون إطلًا من الأسماء أيضًا، وهي الخاصِرة، فقد اتفق الفريقان على اقتصار فِعِل على هذه الثلاثة، هذا ما ذكره [2] .

ثم ما نُقل من نحو إِبِد يمكن أنه لم يثبت عندهم، أو لا يكون بطريق الأصالة، أو لا يكون فصيحا، ومراده بيان اللغة الفصيحة، وأمَّا قولهم: يلزم أنْ يكون لفظ نحو لغوا فمدفوع، لأنّ الأفراد الذهنية لفِعِل أعمُّ من هذين المثالين، وإنْ لم يوجد في الخارج غيرهما، فقوله: ونحو إبِد وبِلِز، للنظر إلى الأفراد [11 أ] الذهنية، وقوله: ولا ثالث لهما، إشارة إلى أنه لم يوجد في الخارج منها غيرها، وبعضهم يقول: معناه أنه لم يجز إسكان العين في شيء مما جاء على فِعِل، إلاّ في إِبِل وبِلِز، بمعنى أنه جاء على فِعِل كثير من الألفاظ، لكن لم يجز إسكان العين في شيء منها غير الإِبِل والبِلِز، وذلك لأنّ المصنف حَكَم في الحِبُك بكسر الحاء، وضم الباء بأنَّه من التداخل، ولو لم يثبت الحِبِك بكسرتين عنده، كيف يمكنه الحكم بالتداخل؟ والتصحيف، الذي ذكره بعضهم تكلّفٌ رديء، فتعيّن الحمل على ما ذكرناه، وهذا أيضا ضعيف، لأنه لو كان المراد ذلك، لتناقض كلام المصنف، فإنّ قوله: ونحو إِبِل وبِلِز، يجوز فيه إِبْل وبِلْز، تصريح بأنّ كل ما كان فِعِل بكسرتين، يجوز فيه الإسكان، وقوله: ولا ثالث لهما على هذا التفسير [3] ، يدل على أنه لا يجوز الإسكان إلاّ في إبل وبِلز، وهل هذا إلاّ تناقض بيّن؟، ولا يرد هذا على التفسير الذي ذكرناه، لأنّ حاصله أنه بَيَّن أنّ كل ما كان على فِعِل بكسرتين، يجوز فيه الإسكان، ثم أشار إلى أنه لم يجئ على فِعِل إلاّ لفظان، وهذا لا فسادَ فيه

(1) الزوزني (000 - 486 هـ) : حسين بن أحمد بن حسين الزوزني، أبو عبد الله: عالم بالادب، قاض، من أهل زوزن (بين هراة ونيسابور) له: شرح المعلقات السبع (شرح السبعيات) ، و المصادر، و ترجمان القرآن - بالعربية والفارسي. الأعلام 2/ 231

(2) شرح المعلقات السبع ـ الزوزني، ص 45

(3) كتب: على هذه التفسير، وما أثبتناه من ب، والمراد بهذا التفسير: الذي لم يجز إسسكان العين في غيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت