فهرس الكتاب
كأَدُِمَ وسَمُِرَ، والعيوب، كعَجُِفَ، والعَجَف الهزال [1] ، فإنه من عيوب البدن، ورَعُِنَ أي حَمُِقُ، وخَرُِقَ من الأخرق [2] ، وهو ضد الرفيق، وعَجُِمَ أي عَيِيَ من العُجمة، وهو عيٌّ في اللسان، فإنهنّ من عيوب النفس، والحُِلْيُ كَبَلُِج والبُِلجة نقاوة بين الجاجبين، كلُّها على فَعِل، والمراد أنّ كل ما كان من الصفات المذكورة يأتي بالكسر، لأنّ الكسر مختص به، ثم أشار المصنف إلى ما جاء فيه الكسر والضم بالأمثلة المذكورة.
قوله: وَفَعُلَ لأَِفْعَالِ الطَّبَائِعِ [وَنَحْوِها: كَحَسُنَ وَقَبُحَ وَكَبُرَ وَصَغُرَ، فَمِنْ ثَمَّةَ كانَ لازِمًا] :
أي الصادرة عن الطبيعة، وهي القوة الموجودة في الشيء، التي لا شعور لها بما يصدر عنها، ويكون الصادر منها أثرا واحدا واقعا على نهج واحد، كحَسُنَ وقَبُحَ، وليس المراد بالحسن ما يمكن اكتسابه بالزينة من صفاء اللون، ولين الملمس، ونحو ذلك، بل المراد بالحُسْن كون الأعضاء متناسبة على ما ينبغي أنْ يكون، وبالقبح خلاف ذلك، وهو مقتضى الطبيعة، إذ لا يختلف ذلك، وكأنه أراد بقوله: ونحوها الصِّغَرَ والكِبَرَ، والمراد بها ليس عِظَم الهيكل وقِصَرَه، إذ الصغير قد يكون أعظم هيكلا من الكبير، بل المراد التغايُر الظاهر، الذي يعرض للشيء صادرا عن الطبيعة بالنماء والوقوف، وإنما لم يجعلها من الأفعال الطبيعية [3] ، بل نحوها لاختلافهما باختلاف الأحوال والأوقات.
وإنما ضُمَّتْ العين فيها لأنها لمّا كانت خِلْقَةً وطبيعة، وصاحبها مسلوب الاختيار، جعلوا الضم علامة للخلقة، كفعلهم فيما لم يُسمّ فاعله، ولمّا كان جميع أفعال هذا الباب خِلْقة وطبيعة، لا تعلّق له بغير مَن صدر عنه، كان لازما.
قوله: وشَذَّ رَحُبَتْكَ الدار: [أي رَحُبَتْ بِكَ] :
جواب اعتراض، وهو أنّ فَعُلَ قد جاء متعديا، فأجاب بأنه شاذّ، والأصل رَحُبَتْ بك [4] ، وكثر استعماله؛ حتى حذفوا الباء اختصارا، فهو غير متعدٍّ في الحقيقة، فإنك لو قلت في شَرُفْتُ بكذا شَرُفْتُ كذا، لا يكون متعديا، فشذوذه من جهة استعماله على صورة المتعدي، إذ هو مُلْبِس، قال الخليل: [16 أ] قال نصر بن سيار [5] : أَرَحُبَكُمُ الدخول في طاعة الكرماني [6] ، أي
(1) في ب: الهزال بالزاء.
(2) في ب: من الخرق.
(3) في ب: الطبيعة.
(4) في ب: رحبت بك الدار.
(5) نصر بن سيار (46 - 131 هـ) : نصر بن سيار بن رافع بن حري بن ربيعة الكناني: أمير، من الدهاة الشجعان. كان شيخ مضر بخراسان، ووالي بلخ. ثم ولي إمرة خراسان سنة 120 هـ بعد وفاة أسد بن عبد الله القسري، ولاه هشام بن عبد الملك. وغزا ما وراء النهر، ففتح حصونا وغنم مغانم كثيرة، وأقام بمرو. وقويت الدعوة العباسية في أيامه، فكتب إلى بني مروان بالشام يحذرهم وينذرهم، فلم يأبهوا للخطر، فصبر يدبر الامور إلى أن أعيته الحيلة وتغلب أبو مسلم على خراسان، فخرج نصر من مرو (سنة 130) ورحل إلى نيسابور، فسير أبو مسلم إليه قحطبة بن شبيب، فانتقل نصر إلى قومس وكتب إلى ابن هبيرة، وهو بواسط - يستمده، وكتب إلى مروان - وهو بالشام - وأخذ يتنقل منتظرا النجدة إلى أن مرض في مفازة بين الري وهمذان، ومات بساوة. وهو صاحب الأبيات التي أولها:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تُذكى ... وإنّ الحرب أوَّلها كلام
أرسلها إلى مروان. قال الجاحظ (في البيان والتبيين) : كان نصر من الخطباء الشعراء، يعد في أصحاب الولايات والحروب والتدبير والعقل وسداد الرأي. وقال ابن حبيب: حصر نصر، وهو والي خراسان، بمرو ثلاث سنين .. الأعلام 8/ 23
(6) الكرماني (000 - 129 هـ) : جديع بن علي الازدي المعني: شيخ خراسان وفارسها في عصره، وأحد الدهاة الرؤساء. ولد بكرمان. وإليها نسبته، وأقام في خراسان إلى أن وليها نصر بن سيار، فخاف شر الكرماني فسجنه، فغضبت الازد، فأقسم لهم نصر أنه لا يناله منه سوء. وفر جديع من السجن، فاجتمع معه ثلاثة آلاف، فصالحه نصر، فأقام زمنا يؤلف الجموع سرا، ثم خرج من جرجان وتغلب على مرو، فصفت له. وظهر أبو مسلم الخراساني، فاتفق معه على قتال نصر، فكتب نصر إلى جديع يدعوه إلى الصلح، فرضي به، وخرج ليكتبا بينهما كتابا (معاهدة) ومعه مئة فارس فوجه إليه نصر ثلاث مئة فارس قتلوه في الرحبة. الأعلام 2/ 114