فهرس الكتاب
فإن قلت: الرحمن أبلغ من الرحيم، فكيف قدمه، وعادة العرب في صفات المدح الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: فلان عالم نِحرير، لأن ذكر الأعلى أولا، ثم الأدنى، لم يتجدد بذكر الأدنى فائدة، بخلاف عكسه؟
قلت: إن كانا بمعنى واحد، كندمان ونديم كما قال الجوهري [1] وغيره، فلا إشكال، أو بأن الرحمن أبلغ كما عليه الأكثر، فإنما قدّمه لأنه اسم خاص بالله تعالى كلفظ الله.
قوله: [وَإِيَّاكَ] (5) .
كرر إياك لأنه لو حذفه في الثاني لفاتت فائدة التقديم، وهي قطع الاشتراك بين العاملين، إذ لو قيل: إياك نعبد ونستعين، لم يظهر أنّ التقدير [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ، أو إياك نعبد ونستعينك.
فإن قلت: إذا كان نستعينك مفيدا لقطع الاشتراك بين العاملين، فلِمَ عدلَ عنه، مع أنه أُحصر إلى وإياك نستعين؟
قلت: عدل إليه ليفيد الحصر بين العاملين مع أنه انحصر.
فإن قلت: فلمَ قدّم العبادة على الاستعانة، مع أنّ الاستعانة مقدّمة؛ لأنّ العبد يستعين الله تعالى على العبادة؛ ليعينه عليها؟
قلت: الواو لا تقتضي الترتيب، أو المراد بالعبادة التوحيد، وهو مقدم على الاستعانة على سائر العبادات.
قوله: [صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ] (7) .
كرر الصراط؛ لأنه المكان المُهيأ للسلوك، فذكر في الأول المكان دون السالك، فأعاده مع ذكره، بقوله [صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ] إلى آخره، المصرح فيه بما أخرج اليهود، وهم المغضوب / عليهم، والنصارى 2 ب وهم الضالون.
(1) قال الجوهري: الرحمنُ والرحيمُ: اسمان مشتقَّان من الرحمة ونظيرهما في اللغة نديم وندْمان، وهما بمعنىً. والرَحيمُ قد يكون بمعنى المرحوم، كما يكون بمعنى الراحِمِ. الصحاح (رحم)