فهرس الكتاب
يُفهَمُ من هذا أن توسُّلَ عمر بالعبَّاسِ كانَ لرعايةِ حَقّ قرابتِهِ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فتركُ عمرَ التوسُّل بالنَّبي في ذلكَ الموضِعِ ليسَ فيه دلالةٌ على منعِ التَّوسُّلِ بغيرِ الحيّ الحاضِرِ، فقد تَرَكَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المباحَاتِ فهل دلَّ تركُهُ لهَا على حرمتِها؟ وقد ذَكَرَ العلماءُ في كتبِ الأصولِ أن تركَ الشَّىءِ لا يَدُلُّ على منعِهِ. وقد أرادَ سيدنا عمرُ بفعلِهِ ذلكَ أن يبيّنَ جوازَ التَّوسُّلِ بغيرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهلِ الصَّلاحِ ممَّن تُرجَى بركتُهُ، ولذا قالَ الحافظُ ابن حجرٍ في فتحِ الباري عَقِبَ هذه القصَّة ما نصُّه:"يستفادُ من قصةِ العبّاسِ استحبابُ الاستشفاعِ بأهلِ الخيرِ والصَّلاحِ وأهلِ بيتِ النُّبوَّةِ".اهـ.
الرد المفصل
الرواية هذه حجة عليكم. فإنها ظاهرة في أن العباس قام ودعا الله للقوم. وأما قول العباس فيما نقله الأحباش (اللّهُمَّ إنّ القَوْمَ تَوجَّهُوا بي إلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبيّكَ) فمعناه أنهم خصوه بأن يدعو الله لهم لمكانه من النبي صلى الله عليه وسلم. فاجتمع في العباس المكانة والدعاء. نحن نعترف بالمكانة وأنتم تتجاهلون الدعاء الذي يثبت أن التوسل يكون بدعاء المتوسل به لا بذاته ولا بمكانته فقط. والتوسل بالذوات منعه أبو حنيفة وخصه العز بن عبد السلام بالنبي فقط دون غيره وأنتم أطلقتموه في الجميع وخالفتم أبا حنيفة والعز بن عبد السلام.
وأما ما نقلتموه عن الحافظ « يستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح » . فإن الشفاعة عند الحافظ معناها الدعاء. بدليل ما نقله واستحسنه الحافظ نفسه من كلام الحافظ ابن عبد البر أن يونس بن عبد الأعلى كان ممن « يستسقى بدعائه» (تهذيب التهذيب11/387) .