فهرس الكتاب
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ إِذَا كَانَ الْأَغْنِيَاءُ وَأَصْحَابُ الْمَنَاصِبِ يَسْتَأْثِرُونَ بِحُقُوقِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ أَمْوَالَ الْفَيْءِ تُؤْخَذُ غَلَبَةً وَأَثَرَةً صَنِيعَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَذَوِي الْعُدْوَانِ، ("وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا") ، أَيْ: بِأَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِوَدَائِعِ بَعْضِهِمْ وَأَمَانَاتِهِمْ، فَيَتَّخِذُونَهَا كَالْمَغَانِمِ يَغْنَمُونَهَا، ("وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا") أَيْ: بِأَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا حَتَّى تُعَدَّ غَرَامَةً، ("وَتُعُلِّمَ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ ("لِغَيْرِ الدِّينِ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ بِغَيْرِ اللَّامِ، وَالْأُولَى أَوْلَى، أَيْ: رِوَايَةً وَدِرَايَةً، أَيْ: يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ لِطَلَبِ الْجَاهِ وَالْمَالِ لَا لِلدِّينِ وَنَشْرِ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ; لِإِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ، ("وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ") أَيْ: فِيمَا تَأْمُرُهُ وَتَهْوَاهُ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَهُدَاهُ، ("وَعَقَّ أُمَّهُ") أَيْ: خَالَفَهَا فِيمَا تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ، وَفِي الْقَرِينَتَيْنِ إِشْعَارٌ بِانْقِلَابِ الدَّهْرِ ; لِانْعِكَاسِ الْأَمْرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ("وَأَدْنَى صَدِيقَهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ") ; حَيْثُ قَرَّبَ صَدِيقَهُ الْأَجْنَبِيَّ إِلَيْهِ، وَبَعَّدَ أَقْرَبَ الْأَقْرَبِينَ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ أَشْفَقُ الْأَشْفَقِينَ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَصَّ عُقُوقَ الْأُمِّ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ عُقُوقُ كُلٍّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مَعْدُودًا مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِتَأَكُّدِ حَقِّهَا، أَوْ لِكَوْنِ قَوْلِهِ: وَأَقْصَى أَبَاهُ بِمَنْزِلَةِ وَعَقَّ أَبَاهُ، فَيَكُونُ عُقُوقُهُمَا مَذْكُورًا. أَقُولُ: فَفِيهِ تَفَنُّنٌ وَتَسْجِيعٌ، مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِهِ: أَقْصَى، عَلَى قَوْلِهِ: عَقَّ، عَلَى أَنَّهُ يُفْهَمُ عُقُوقُ الْأَبِ مِنْ عُقُوقِ الْأُمِّ بِالْأَوْلَى.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ: وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، كِلَاهُمَا قَرِينَةٌ لِقَوْلِهِ: وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، لَكِنَّ الْمَذْمُومَ فِي الْأُولَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ إِدْنَاءَ الصَّدِيقِ مَحْمُودٌ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ الْإِفْرَادَ وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَذْمُومَانِ. وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِطَاعَةَ الْمَرْأَةِ وَالْأُمِّ فِي الْمُبَاحِ مَنْدُوبَتَانِ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ مَنْهِيَّتَانِ، فَالْغَرَابَةُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هِيَ فِي انْعِكَاسِ الْقَضِيَّةِ وَانْقِلَابِ الْبَلِيَّةِ، وَكَذَا فِي الْقَرِينَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ; إِذْ يُتَصَوَّرُ إِدْنَاءُ الصَّدِيقِ الصَّالِحِ وَإِبْعَادُ الْأَبِ الصَّالِحِ، وَيُؤَيِّدُ مَا حَرَّرْنَا قَوْلُهُ: فَرَجَّحَ جَانِبَ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ عَلَى جَانِبِ الْأُمِّ، فَإِنَّهَا مَرْضَاةُ الرَّبِّ، وَخَصَّ الْأُمَّ بِالذِّكْرِ لِزِيَادَةِ حَقِّهَا، وَتَأَكُّدِ مَشَقَّتِهَا فِي تَرْبِيَتِهِ، فَعُقُوقُهَا أَقْبَحُ مِنْ عُقُوقِ الْأَبِ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ أَيْ: قَرَّبَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِلْمُؤَانَسَةِ وَالْمُجَالَسَةِ، وَأَقْصَى أَبَاهُ أَبْعَدَهُ وَلَمْ يَسْتَصْحِبْهُ وَلَمْ يَسْتَأْنِسْ بِهِ. (وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ) أَيْ: رَفْعُهَا (فِي الْمَسَاجِدِ) ، وَهَذَا مِمَّا كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ لِلذِّكْرِ حَرَامٌ، (وَسَادَ الْقَبِيلَةَ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْبَلَدُ وَالْمَحَلَّةُ (فَاسِقُهُمْ) ، وَظَالِمُهُمْ بِالْأَوْلَى، وَقَدْ كَثُرَ هَذَا أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَثْرَةَ هِيَ الْعَلَامَةُ، وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ يَخْلُو زَمَانٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123] (وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ) أَيِ: الْمُتَكَفِّلُ بِأَمْرِهِمْ (أَرْذَلَهُمْ) أَيْ: أَبْخَلَهُمْ، أَوْ أَكْثَرَهُمْ رَذَالَةً فِي النَّسَبِ وَالْحَسَبِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: زَعِيمُ الْقَوْمِ رَأْسُهُمْ. وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ، وَسَيِّدُ الْقَوْمِ رَأْسُهُمْ وَالْمُتَكَلِّمُ عَنْهُمْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النُّسَخَ جَمِيعَهَا عَلَى رَفْعِ"زَعِيمُ"وَنَصْبِ"أَرْذَلَهُمْ"، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُعْكَسَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالزَّعِيمِ الْكَرِيمُ، وَبِالْأَرْذَلِ الْأَحْمَقُ وَالْأَخْمَلُ، وَفِي الْمَالِ وَالْجَاهِ أَقَلُّ، ("وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ") أَيْ: عُظِّمَ ("مَخَافَةَ شَرِّهِ") أَيْ: لَا لِسَبَبٍ غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ رَجَاءِ خَيْرِهِ، ("وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ") : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيِ: الْإِمَاءُ الْمُغَنِّيَاتُ، ("وَالْمَعَازِفُ") ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: وَظَهَرَتْ آلَاتُ اللَّهْوِ، ("وَشُرِبَتِ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ("الْخُمُورُ") أَيْ: أَنْوَاعُ الْخَمْرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تُشْرَبُ شُرْبًا ظَاهِرًا، ("وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا") : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ الْمُنَاسِبَةُ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ؟ قَالُوا: أَصْحَابُ مُوسَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ.