الصفحة 10 من 17

حادي عشر: العناية بتحليل الأحداث والتعليق والموازنة: بذل العلماء المتقدمون جهودًا مضنية في حفظ العلم وروايته أشغلتهم - في بعض الأحيان - عن العناية بتحليل الأخبار ودراستها والنظر في أسباب الأحداث وملابساتها . وفي عصور الضعف لم يأخذ جانب التحليل والدراسة حقه ؛ بسبب النظرة التجزيئية للقضايا، والسطحية في التعامل مع الروايات ، وعدم وضوح التصور الإسلامي لحركة التاريخ ودور الفرد والجماعة ، و العلاقة الجدلية بين القدر والحرية وقانون السببية في الربط بين المقدمات والنتائج . فضلًا عن أن الكتب التاريخية القديمة لا تمدنا بمنحى واضح في التحليل والتصور الكلي ؛ بسبب اعتمادها على سرد الروايات فقط ؛ إذ قلّما يشير المؤرخ الإسلامي القديم إلى السنن والنواميس والقوانين الاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ ، رغم أن القرآن الكريم لفت نظر المسلمين إلى ذلك كله بوضوح ، بل إن أحدًا من مؤرخي الإسلام لم يحاول إعادة صياغة النظرة القرآنية للتاريخ وتقديم الوقائع والتطبيقات والشواهد القرآنية عليها بشكل نظريات كلية حتى وقت متأخر عندما كتب ابن خلدون مقدمته . ولغيات النظرة التحليلة في دراسة السيرة فقد غلب عليها الطابع التسجيلي السردي الذي يحاول إثبات الوقائع ووصف تطور الأحداث وتقرير النتائج دون الالتفات إلى المقدمات ومحاولة اكتشاف المنهج الذي يُسيّرها . ومع أن الدراسات شملت وصفًا دقيقًا لكل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وكل ما يتصل به .. إلا أن الحديث عن المعجزات والمؤيدات الغيبية كان على حساب سنن عالم الشهادة التي يتحرك في إطارها ويصنع الأحداث ويحقق النتائج ."الحق أن المحدثين في باب التحليل والتعليق والموازنة بين المواقف قد أرْبوا على المتقدمين ، وأكسبوا السيرة جدة ، ورواءً ، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المراتب ، وسعة العلم والأفق ، والاطلاع على سير الآخرين ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت