ولكن غالب هذه الدراسات قد ركز على جانب إثبات النبوة ، وإبراز الخصائص . وهو أمر له مسوِّغه الظرفي في الصراع مع المخالفين . واهتم جزء آخر باستخراج الأحكام والتوجيهات والفوائد ، واهتم آخرون بالتفسير الحركي لتسويغ بعض مواقف الحركة الإسلامية المعاصرة . ثاني عشر: الاهتمام بتحرير المنهج النبوي في سائر المجالات: بقيت العناية بالمنهج قليلة ، مع أنه بإمكان النظرة الشمولية لهذه الجهود العلمية الضخمة - الآنفة الذكر - أن تستخلص البنية الهيكلية للمنهج النبوي في نواحيه المختلفة . نعم ... إن استخلاص المنهج مطلب ضروري ، بيد أنه ليس بالأمر اليسير ، خلافًا لما قد يتوهمه بعضهم حين ظنوا أن ( المنهج النبوي ) على طرف الثمام ، وأن نظرة عجلى على السيرة العطرة ، أو جزء من السنة المطهرة ، أو انتقاء مقاطع من هنا أو هناك كافية للإحاطة بهذا المنهج الفذ ، وبناء حتميات تاريخية على تلك الأفهام العجلة . وتصوُّر بعضٍ أن بالإمكان إعادة إنتاج العهدين المكي والمدني ، أو تمثيلهما في أي واقع يُعد مجازفة كبيرة. إن المنهج حين يطلق في إطار معرفي إنما يراد به قانون ناظم ضابط يقنن الفكر ويضبط المعرفة التي إن لم يضبطها المنهج فقد تتحول إلى مجرد خطرات انتقائية - مهما كانت أهميتها - لا يمكن تحويلها إلى ضوابط فكرية وقوانين معرفية تنتج الأفكار وتولد المعارف وتضبط حركاتها وتميز بينها ؛ فبالمنهج يمكن أن نحدد طبيعة المعرفة وقيمتها وحقل عملها واتجاهاتها وكيفية البناء عليها والتوليد منها ... إن أي فكر تتضارب مقولاته وتتناقض لا يعتبر فكرًا منهجيًا حتى لو تمكن أصحابه من تقديم مختلف التأويلات التوفيقية: كالتأويل ، والمقاربة ، والتلفيق ، وغيرها .