أما القول الثاني: فيمثله د. أكرم العمري ، حيث يقول:"المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة ، وتقديمها ثم الحسنة ، ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع في عصر صدر الإسلام .. وعند التعارض يقدم الأقوى دائمًا .. أما الرويات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على ألا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي ؛ لأن القاعدة:"التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة". ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة مليء بالسوابق الفقهية ، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام ؛ فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على إثر الفتوح ."
أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران: كتخطيط المدن ، وزيادة الأبنية ، وشق الترع ، .. أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فا بأس بالتساهل فيها ، وهذا هو المنهج المعتبر عند الأئمة المحققين ، يشهد به صنيع الذهبي في ( تاريخ الإسلام ) ، وابن سيد الناس في ( عيون الأثر ) ، وابن حجر في ( الفتح ) ، وكذلك ابن القيم وابن كثير .
أما ما يؤخذ من الروايات التاريخية فهو ما اتفق عليه الإخباريون . أما اشتراط الصحة في كل خبر تاريخي - والذي مشى عليه بعض المؤلفين في السيرة فاختزلوا كثيرًا من أحداثها - فإن ذلك يترتب عليه تضييع ثروة علمية كبرى ، وإهدار الاستفادة منها في مجالات تربوية وإدارية .. ونحوها ؛ حيث تضعف الثقة في كل ما استنبط منها .
يبقى: كيف تدوّن السيرة على ضوء المنهج السابق: هل تذكر كل الأحاديث بنصوصها ، أم يجمع بين الروايات في سياق واحد ؟