الظاهر: هو الطريق الثاني ؛ تحاشيًا لتشويش القارئ وتشتت ذهنه بانقطاع الأحداث ، وتكرر بعضها ، وعدم وضوح صورة متسلسلة متكاملة للسيرة ، ثم إنه صنيع الزهري في روايته لحادثة الإفك التي رواها مسلم عنه .
خامسًا: معرفة حدود العقل في قبول النصوص وردِّها:
يرى العديد من الدارسين - وخاصة المستشرقين - أن علماء المسلمين أهملوا نقد المتون ، وأن ذلك لغياب عقليتهم النقدية . وهذا مردود ، وهذا بعض أمثلة لمحاكمات تاريخية مستندة إلى نقد المتن:
1-رفض ابن حزم العدد المذكور عن عدد جند المسلمين في أُحُد بناء على محاكمة المتن وفق أقيسة عقلية بحتة .
2-قدّم موسى بن عقبة غزوة بني المصطلق إلى السنة الرابعة - خلافًا للأكثرين الذين جعلوها في السنة السادسة - ؛ لاشتراك سعد بن معاذ فيها ، وهو متوفى عقب بني قريظة وهي في السنة الرابعة . وتابعه على تقديم تاريخها ابن القيم والذهبي .
3-أخَّر البخاري غزوة ذات الرقاع إلى ما بعد خيبر ؛ نظرًا لاشتراك أبي موسى الأشعري وأبي هريرة فيها ، وقد قدما بعد خيبر ، وتابعه على تأخيرها ابن القيم وابن كثير وابن حجر ، خلافًا لرأي ابن إسحاق والواقدي في تقديمها .
4-الخلاف حول تشريع صلاة الخوف معظمه مبني على محاكمة المتن .
والأمثلة كثيرة ؛ ولكن من المهم أن يقال: إن حفظ الروايات قد استنفد طاقة الأوائل ، وأتى بعدهم من لخّص وذيل عليها وانتقى منها ، وهذا عمل نقدي . وفي مؤلفات متأخرة تَبرُز محاكمات دقيقة للمتون ، كما في: البداية والنهاية وفتح الباري ، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ابن تيمية - رحمه الله:"الأحاديث التي ينقلها كثير من الجهال ، لا ضابط لها ، لكن منها ما يعرف كذبه بالعقل ومنها مايعرف كذبه بالعادة ، ومنها مايعرف كذبه بأنه خلاف ما عُلم بالنقل الصحيح ، ومنها ما يعرف كذبه بطرق أخرى ."