من هذا كله نجد أن الغسلام كان عامل انقطاع حضاري عميق المدى. بين حضارات الفراعنة والرومان والفرس والهنود. فبعد ألف سنة عاشتها هذه المنطقة بين يدي اليونان والرومان. انداح فيها الإسلام، ولم تلبث بعد عقود قليلة من الزمان، أن تحولت إلى رسالة التوحيد فنسيت لغاتها وأديانها ونحلها القديمة وأقبلت على الإسلام إقبالًا تامًا، ومع أن الإسلام حين سيطر على هذه المناطق لم يفرض عليها دينه، وإنما أقام حكمه العادل، وأفسح أهل الكتاب الحرية الكاملة في حياتهم الدينية، وحمى معابدهم وفتح لهم آفاق العمل في مختلف المجالات في سماحة ورحمة، غير أن الطوائف العربية الداخلة في هذه البلاد سرعان ما انصهرت في البيئات التي عاشت فيها، ولم تستعمل عليها استعلاء سلطان أو استعمار، وإنما تآخت معها وأصهرت إليها، ومن ثم فقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، عندما تبينوا أن ذلك الحكم السمح العادل الذي حررهم من مظالم الرومان، هو من عند الله، لذلك فقد دخلوا في الإسلام الذي كانت جذوره موجودة في أعماقهم وضمائرهم. منذ رسالة الحنيفية الإبراهيمية. التي جددها محمد صلى الله عليه وسلم، واتصل بها بعد أن انحرفت .. في مرحلة ما بينهما (ثم اوحينا إليك أن ابتع ملة إبراهيم حنيفًا) النحل: 23.
ومن هنا فإن الانقطاع ليس إلا عن المرحلة القصيرة التي تعثر فيها طريق الحنيفية العنصرية، وكان هذا أمرًا طبيعيًا في التاريخ فمصر العربية قد انقطعت عن مصر الإبراهيمية، وكذلك فإن سوريا العربية قد انفصلت عن سوريا الفينيقية، والعراق العربي قد انفصل عن العراق الآشوري والبابلي، وبالإسلام عادت سيرتها الأولى إلى الربط بين الحنيفية الإبراهيمية والحنيفية المحمدية.
الجري ضد تيار التاريخ: