الصفحة 68 من 106

لقد غلا البعض حتى أصبح يكفر بسبب خلاف بين العلماء أو خلاف حدث بينه وبين مسلم آخر، وهنا سأبين قواعد هامة تتعلق بما نحن فيه لتكون إشارات في طريق الاعتدال.

أولًا: لا تكفير بالظنيات:-

مما هو معلوم أن الاختلاف سنة إلهية في البشر إذ لا تجد اثنين يتطابقان في الآراء والأفكار والاجتهادات، فالناس مختلفون أشد الاختلاف سواء على الصعيد الحسي أم المعنوي، والذي يهمنا هنا هو الاختلاف الفكري.

لقد ضبط الشرع هذا الاختلاف ولم يجعله كله في مستوى واحد أو رتبة واحدة، بل منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم، يدل على ذلك قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) (هود119،118) .

فاقتضت الآية وجود قسمين: أهل خلاف ومرحومين، فالقسم الأول هم المخالفون في أصل الدين كأهل الكتاب، والفرق الخارجة عن الدين، والثاني هم المختلفون في فروع الشرع وسيأتي بيان القسمين، والخلاف بين المسلمين ينقسم على قسمين:-

أولًا: الخلاف المذموم وهذا نوعان:

1 -ما يخرج به صاحبه من الإسلام، وهو ما يناقض أصل الإيمان بحيث لا يجتمع معه بتاتًا وهي النواقض المذكورة سابقًا وغيرها مما ذكره العلماء، فالقول مثلًا بنقص القرآن أو تحريفه يتناقض كليًا مع الإيمان الذي من أركانه الإيمان بالكتاب والذي منه الإيمان ببقاء القرآن كاملًا إلى يوم الدين، كما أن فيه نسفًا لأحكام الإسلام والتي يشكل القرآن مع السنة المنبع الأساسي لها.

2 -ما لايخرج به صاحبه من الإسلام، وهو الخلاف في قضايا عقدية لاتناقض أصل الإيمان كالقول بتكفير أصحاب المعاصي.

فكلا النوعين السابقين خلاف مذموم بيد أن منه ما يكفر بسببه المسلم، ومنه ما لا يكفر بسببه.

ثانيًا: خلاف ممدوح:-

وهو تعدد وجهات النظر وتنوع الآراء، وهذا ما يتعلق بالقضايا والفروع الفقهية، والتي تعتمد على الأدلة الظنية القابلة لاختلاف الفهوم، والخلاف هنا إرادة إلهية، إذ لو أراد الله خلاف ذلك لجعل النصوص كلها قطعية لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا لا تقبل الخلاف أو الاختلاف، ولكن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت