فهرس الكتاب
والذي يظهر والله أعلم عدم تكفير من اختلف العلماء في تكفيره، وأنه لا يتعامل معه هذه الصور والمسائل مثل تعاملنا مع مسائل الفقه من أننا نكيف المسألة ثم نورد أقوال الفقهاء وأدلتهم ثم نرجح بعد ذلك مما قد يؤدي أحيانا إلى ترجيح القول بالتكفير، بل الصواب ألا يحكم بالتكفير مطلقًا في مثل هذه الحالات؛"لأن إخراج مسلم منها -أي الملة- عظيم في الدين"كما يقول أبو المعالي الجويني [1] ، ويمكن أن نصوغ مما سبق قاعدة هامة وهي (لا تكفير إلا بإجماع) ، فكما دخل المرء الإسلام بإجماع فلا يخرج منه إلا بإجماع، ويؤيد هذا القول ما يلي:-
1 -أن الاختلاف في عد هذا القول أو الفعل مكفرًا أو غير مكفر يُدخل هذه المسألة في حيز الظنيات التي لا يجوز إطلاق التكفير بها، وهذا ما قاله العلماء في مسألة عد البسملة آية من الفاتحة فمع إجماعهم على كفر من جحد أو زاد حرفًا في القرآن إلا أنهم لم يكفروا من قال بأن البسملة آية من الفاتحة كما هو الصحيح، أو أنها آية من كل سورة كما ذهب إليه بعض الأئمة، وفي المقابل لم يكفر القائلون بالقول السابق من قال بأن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من كل سورة، لوقوع الخلاف في هذه المسألة مما أخرجها عن كونها قطعية يكّفر بها.
2 -أن كثيرًا من الأحكام والفروع الفقهية كانت انعكاسًا للواقع بما فيه من اختلاف العادات ودلالات الألفاظ، فقد يدل لفظ ما في زمن أو مكان أو أي وسط ما على ما لا يدل عليه في وسط آخر، ولهذا ينبغي التنبه أشد الانتباه إلى إسقاطات ما في الكتب على الواقع والأفراد دون أخذ الآلة العلمية ومعرفة الأعراف اللفظية والعملية، والأخذ بعين الاعتبار مقاصد المكلفين وعلاقتها بالألفاظ والعادات.
ثالثًا: التكفير بالمعاصي:
قضية التكفير بالمعصية ليست جديدة أو محثة بل قديمة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإسلامي، إذ ظهرت هذه البدعة المنكرة مع بدايات فكر الغلو الخارجي، والذي كفر الأمة على أساس هذه البدعة بما فيهم خيرة عباد الله من مثل الإمام علي
(1) شرح السيوطي لسنن النسائي 7/ 119