الصفحة 92 من 106

فكان بعضهم يدعي على خصمه ما لا يقوله بل وينكره، فمثلًا ينسب القول بإنكار عذاب القبر إلى المعتزلة مع أن المعتزلة ينكرون هذه النسبة، والحقيقة أنها تنسب لشخص كان معتزليًا ثم ترك الاعتزال يسمى ضرار بن عمرو، فجاء بعضهم وعمم النسبة.

وذكر المقبلي عن كتاب السالمي السابق الذكر أن مدلول المعتزلي عنده من يصح أن ينسب إليه كل ما ألقته الشياطين ووسوس به المجانين.

وكذلك تجد بعض المعتزلة والشيعة يحكي عن خصمه ما لا يقوله، ولست أدري إذا كانوا يدرون أن ما ينقلوه كذب أم لا، ومع هذا كان عليهم أن يطالعوا كتب الآخرين، والتي تملأ الدنيا، ولكن -للأسف- نجد الافتراءات التي لا يسندها دليل أو واقع، فالأشعري مثلًا يصبح عند بعضهم مجرمًا يصح نسبة كل باطل إليه، فيقول فيه أحدهم، وهو شيعي معتزلي:"... بل أحيا مذاهب لجهم بن صفوان كانت داثرة، فحرفها وصحفها، ليبقى له أدنى مسكة من الإسلام! وقد حيل بينه وبين ذلك بالدليل"ولست أدري أي دليل هذا الذي أقيم عليه والشيخ رحمه الله كان من رؤوس المعتزلة ومن تلاميذ جهبذهم أبوعلي الجبائي، وكان الشيخ عالمًا بدخائل وسبل الفكر الاعتزالي أكثر بكثير من منتقده هذا، بل لا وجه للمقارنة بينهما فأين الثرى من الثريا، ثم أليس ترك الأشعري لمذهب الاعتزال دليل على أنه مذهب متهافت من وجهة نظره على الأقل، وأنه رغم بقائه فيه أربعين سنة لم يستطع الاستمرار فيه، ثم لاحظ قوله:"ليبقى له"تٌرى هل فتش عن قلبه حتى يحكم هذا الحكم، إن العصبية والبدعة إذا اجتمعتا في قلب فلا تنتظر منه إنصافًا.

ثم أخذ هذا يذكر بعض عقائد الأشعري، وتجد كثيرًا منها مكذوبة عليه، أو أنها ليست بتلك الصيغة التي صاغها أو ليست بالعموم الذي قاله، ومن عجيب ما نسبه إليه زعمه بأن الأشعري يقول إن الله تعالى يدرك بجميع الحواس [1] ، والمطالع لكتب الأشعري ورسائله ينفي يقينًا هذا العموم، ولكنها عصبية البدعة.

(1) بلوغ الأرب للشهاري 450

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت