ولو لم يوافقهم في الباطن، لأن اليهود لما قالوا كفّار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. هم في الباطن يعتقدون بُطلان هذا الكلام، لكنهم وافقوهم في الظاهر ليحصلوا على مناصرتهم لهم، ومع هذا سمّى الله هذا إيمانًا بالجبت والطاغوت.
فالذي يمدح الكفر والكفار ولو بلسانه، ويفضّل الكفر والكفار على المؤمنين؛ يُعتبر مؤمنًا بالجبت والطاغوت، ولو كان قلبه لا يوافق على هذا؛ ما لم يكن مُكرهًا، ففيه رد على مرجئة هذا العصر الذين يقولون: إن من تكلم بكلام الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه صحة ما يقول.
وهذه دقيقة عظيمة ذكرها الشَّيخ في المسائل، وهي عظيمة جدًا.
المسألة الثالثة: في الآية الثانية بيان أن في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، بمعنى: أنه دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يعبد الطاغوت تشبُّهًا بهم.
ففيه الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، لأن الحديث يدلّ على أنه يوجد من يتشبّه باليهود والنصارى في عبادة الطاغوت التي منها عبادة القبور والأضرحة، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، ومنها الشيء الكثير الذي كله من عبادة الطاغوت.
المسألة الرابعة: في الآية الثانية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يَخْتَزِى ويُفْحَم في الخصومة.
المسألة الخامسة: في الآية رد على من يقول: إنه ينبغي ذكر محاسن المردود عليه وهو ما يسمونه بالموازنات.
وذكر محاسن الطوائف الضالّة والأشخاص الضالين من المبتدعة وغيرهم، ووجه الرد: أن الله ذكر في هذه الآية معايبهم، ولم يذكر لهم شيئًا من المحاسن.
ففي الآية ردٌّ صريح على هذه المقالة التي يراد منها السكوت عن البدع والخرافات أو ذكر محاسن المبتدعة والمخالفين للحق.