الكلام الطيِّب فليراجع"زاد المعاد"في كلامه على غزوة أُحد، وما جرى فيها من المحنة على المسلمين، وما قاله المنافقون في هذه الغزوة.
فيُستفاد من هاتين الآيتين وتفسيرهما:
أولًا: أنّ حسن الظنّ بالله عزّ وجلّ واجبٌ من واجبات التّوحيد.
ثانيًا: أن سوء الظنّ بالله سبحانه وتعالى ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا أو شيئًا خفيفًا أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إنْ تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد.
ثالثًا: فيه: إثبات القضاء والقدر، وأنّ ما يجري من المصائب والمحابّ والمكروهات والملاذ كلُّه بقضاء الله وقدره.
رابعًا: أن النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس له من الأمر شيء، فلا يتعلق به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنّما يُتعلّق بالله، لأنّ الأمر كلَّه لله جل وعلا، لا للرسول ولا لغيره، قد قال الله جل وعلا له: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) } ، لما دعا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أقوام من أهل مكّة فعاتبه الله قال: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) } ، وقد تاب الله عليهم وأسلموا، وحسُن إسلامُهم، وصاروا من قُوّاد الجهاد في الإسلام.
فهذا فيه: أنّ الأمر لله سبحانه وتعالى، فلا يُتعلّق إلاّ بالله جل وعلا، أمّا الرّسول- عليه الصلاة والسلام- فإنّه رسولُ الله، هو مبلِّغٌ عن الله تعالى رسالاته، وهذه وظيفة الرّسل عليهم الصلاة والسلام البلاغ والأمر بيد الله.
خامسًا: فيها: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى، وأنّ الله لا يفعل شيئًا عبثًا.
سادسًا: فيها: أنّ وعد الله جل وعلا لابدّ أن يتحقّق، ولا يتخلّف وعدُ الله سبحانه وتعالى أبدًا، وهو وعد بأنّ هذا الدين سيظهر، وماذا كان الواقع؟، أليس الدين ظهر في المشارق والمغارب؟، أليس بلغ هذا الدين مبلغ الليل والنّهار؟، أليستْ دخلتْ فيه دول الأرض الكبرى: فارس والرّوم وبلاد الشّرق والغرب، هل بقي في الأرض مكان لم يصل إليه هذا الدين؟، هذا وعد الله عزّ وجلّ: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ولم ينته أمره بوقعة أحد كما ظن ذلك المنافقون.