ألا يكفي في البيان الشافي: أمره العام، وفعله، وعدم الترخيص لأحد، أو الترخيص لفئة ؟.
هكذا ثبتت واجبات، كالوقوف بعرفة حتى الغروب، والمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، والجمار، والمبيت بمنى. وهذه وإن خالف في وجوب بعضها أحد، إلا أنه لا أحد يقول بعدم وجوب شيء منها. فتلك التي وجبت منها: كيف استدل على وجوبها إذن ؟!.
فهذا كذلك استدلال ليس بصارف.
الدليل الخامس:
قالوا:"رمي الرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الزوال، بمثابة وقوفه بعرفة بعد الزوال إلى الغروب. ومن المعلوم: أن الوقوف بعرفة لا ينتهي بذلك الحد، بل الليل كله وقت وقوفه أيضا".
وقت الوقوف بعرفة لا ينتهي عند الغروب لورود نص فيه، هو حديث عروة بن مضرس.
فأين مثل هذا النص في الرمي قبل الزوال ؟.
إلا إن كان مقصود هذا الدليل: الاستدلال به على جواز الرمي ليلا. فهذا ليس محل النزاع.
الدليل السادس:
"واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:"
(أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل، أو أية ساعة من النهار) . أخرجه الدارقطني، وفي إسناده ضعف، وله شواهد عن ابن عباس، وابن عمر لا تخلو من ضعف"."
لن نلتفت إلى ما قيل في الأثر من ضعف، بل نعامله معاملة الصحيح، وله جواب، هو: أن فيه ترخيصا. وذلك دليل وجوبه، فلولا أنه واجب لما احتاجوا إلى ترخيص الشارع.
ومعنى ذلك: أن المضطر وصاحب الحاجة ليس كغيره. فلا يكون حكما عاما إذن.
فإنه من الفرق الكبير أن يقال: لصاحب العذر أن يترخص بالرمي قبل الزوال دون غيره.
وأن يقال: له أن يرمي قبل الزوال بدون عذر.
فالأول يدل على وجوب الرمي بعد الزوال، لكن يرخص لأصحاب الأعذار؛ مضطرين أو ذي حاجة.
والثاني يدل على استحباب الرمي بعد الزوال، وجوازه قبل لكل أحد؛ مضطرا أو غير مضطر.
والأثر - إن صح - يدل على الوجوب.