فهرس الكتاب
قلت: وفيه بُعدٌ، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين، مثل قوله: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} [الأنفال: 32] ، وقوله: {وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] ونحو ذلك. وقيل:"ما"عاملة حجازية، و"هو"اسمها، والخبر في {بِمُزَحْزِحِهِ} . وقالت طائفة:"هو"ضمير الأمر والشأن. ابن عطية: وفيه بعد، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر. وقوله:"بمزحزحه"الزحزحة: الإبعاد والتنحية، يقال: زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد، يكون لازما ومتعديا قال الشاعر في المتعدي:
يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار
وأنشده ذو الرمة:
يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا ... وغافر الذنب زحزحني عن النار
وقال آخر في اللازم:
خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح
وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا".
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمر ألف سنة. ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده. قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون. وقال العلماء: وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، قال:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
قال الخطابي: البصير العالم، والبصير المبصر. وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة، فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين.