فهرس الكتاب

الصفحة 5105 من 6930

قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ } أي تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة، فإنه محبب إلى الجميع؛ حتى إن في المجوس من يقول إنه أفريدون. روى معناه عن مجاهد وغيره. وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما: {وتركنا عليه في الآخرين} يقال: {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ } أي تركنا عليه هذا الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس المبرد. أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية؛ يعني يسلمون له تسليما ويدعون له؛ وهو من الكلام المحكي؛ كقوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا } . [النور:1] . والقول الآخر أن يكون المعنى وأبقينا عليه. وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ } أي سلامة له من أن يذكر بسوء {في الآخرين} . قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود {سلاما} منصوب بـ {تركنا} أي تركنا عليه ثناء حسنا سلاما. وقيل: {فِي الْآخِرِينَ } أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبي إلا أمر بالاقتداء به؛ قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } [الشورى: 13] . وقال سعيد بن المسيب: وبلغني أنه من قال حين يسمي {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ } لم تلدغه عقرب. ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من نزل منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل". وفيه عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة؛ فقال وسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أي شيء"فقال: لدغتني عقرب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك".

قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } أي نبقي عليهم الثناء الحسن. والكاف في موضع نصب؛ أي جزاء كذلك. {إنه من عبادنا المؤمنين} هذا بيان إحسانه. قوله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ } أي من كفر. وجمعه أُخر. والأصل فيه أن يكون معه {من} إلا أنها حذفت؛ لأن المعنى معروف، ولا يكون آخرا إلا وقبله شيء من جنسه. {ثم} ليس للتراخي ها هنا بل هو لتعديد النعم؛ كقوله: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } [البلد: 16] أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت