فهرس الكتاب
وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة وقال: لا أعلم أن أحدًا منهم يدخل النار، وهو ـ أيضًا ـ من الأقوال المبتدعة، بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لابد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها . وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من/ أهل القبلة فهذا لا نعرفه قولًا لأحد . وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا، وإنما هو تخويف لا حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة والكفار .
وربما احتج بعضهم بقوله: { ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } [ الزمر: 16 ] ، فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفًا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له، كما توهم الصبي الصغير، ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف للعقلاء المميزين، لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف، وهذا شبيه بما تقول الملاحدة المتفلسفة والقرامطة ونحوهم: من أن الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد ـ وإن كان لا حقيقة له ـ فإنما يعقل لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة .