فقال:"أما إذا أسلمت فهي لك"وحمله على فرسه1
وهكذا كان القضاء عامل جذب كبير الإسلام.
كما كانت صلاة الجماعة في المسجد عامل جذب قوي أيضًا، تلك العبادة التي تتجلى فيها روعة المساواة بين البشر جميعًا بأعلى صورها في إلغاء الفوارق.
ففي الجمعة والجماعة تأخذ المساواة صورتها العملية، وتزول كل الفوارق التي تميّز بين الناس، فمن ذهب إلِى المسجد أولًا آخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وإن كان أقل الناس مالًا، وأضعفهم جاهًا، ومن تأخر حضوره أخذ مكانه مهما يكن مركزه، وتجد الغني يجانب الفقير، والعالم يجانب الأمي، والشريف بجانب الوضيع، والحاكم بجوار الخادم، ولا فرق بين واحد وآخر، فكلهم سواسية أمام الله سبحانه، في قيامهم، وركوعهم، وسجودهم، قبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، وحركاتهم واحدة خلف إمام واحد، ترتبط قلوبهم بخالقهم، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.
وهذه المساواة التي تظهر عمليًا، وتتكرر في اليوم الواحد مرات، جذبت سكان البلاد المفتوحة للإسلام، فانتشر بينهم، وأصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
وهكذا كان المسجد وسيلة من وسائل الدعوة الهامة، فكان ركيزة هامة من ركائز بناء المجتمع الإسلامي، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل للمسلمين في بناء المساجد والاهتمام بها، فبنى مسجد قباء، ثم المسجد النبويَ، وبنى المساجد في الأسفار الطويلة في الطرقات والمنازل، وفي أثناء الغزو، وأثناء الحصار2. واهتم الراشدون بذلك وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاة الأقاليم في العراق ومصر باتخاذ مسجدًا للجماعة، وللقبائل مسجدًا، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجمعة فشهدوا الجمعة. وأما في الشام فأمرهم أن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا، ولا يتخذوا للقبائل.
وفي تخطيط المدن الإسلامية حرص المسلمون على إنشاء المساجد في المدن التي مصرّها المسلمون الكوفة، والبصرة، والموصل، والفسطاط، وكانت تقام في هذه الأمصار حياة إسلامية تحس بها الشعوب التي أطلتها راية الإسلام، وتلمسها كنماذج كاملة للمجتمع المسلم يتوسطها المسجد. فكانت الأمصار والأجناد من عوامل بث الدعوة، وانتشارها3 وبهذا يتضح لنا أثر الفتوحات الإسلامية في انتشار الإسلام.
1 ابن كثير _ البداية والنهاية 8/5، ابن الأثير_ الكامل في التاريخ 3/201.
2 انظر: البخاري 1/130، وقد ذكر بعض المساجد والمواقع الني صلّى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 عن الأمصار والأجناد ودورها بالتفصيل: انظر_ تاريخ الدعوة_ للمؤلف 332_343.