الصفحة 14 من 16

قال ابن عبدالبر: (( وقد احتج بهذا الحديث من رد شهادة الأعمى، وقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يميز صوت أم هانئ مع علمه بها، حتى قال لها: من هذه؟ فقالت: أنا أم هانئ، فلم يعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوتها لأنه لم يرها، وكل من لا يرى فذلك أحرى ) ) (1) .

ويناقش:

بعدم التسليم، إذ إنه لم يرد في الحديث أن أم هانئ قد تكلمت قبل أن يسألها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يبق في الحديث دلالة، ثم لو فرض أنها تكلمت فإن عدم تمييز النبي - صلى الله عليه وسلم - لصوتها لا يدل على رد شهادة الأعمى، إذ إن الأعمى لا يجوز له الشهادة على ما لم يميزه من الأصوات بالاتفاق.

القول الثاني: أن شهادة الأعمى على ما سمعه من الأصوات مقبولة إذا تيقن الصوت، وهذا مذب المالكية والحنابلة.

قال في المدونة: هل تجوز شهادة الأعمى في الطلاق قال مالك:"نعم إذا عرف الصوت" (2) .

قال ابن قدامة:"وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت" (3) .

ـ استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها (4) :

1 ـ قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم .. } [التوبة: 282] .

وجه الدلالة: أن الله أمر بالاستشهاد ولم يفرق بين الاعمى والبصير فدل على العموم.

2 ـ حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن، أو قال حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ) ) (5) .

وجه الدلالة:

يظهر وجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين:

الوجه الأول: أن أذان ابن أم مكتوم يعد شهادة منه على دخول الوقت، ولو كانت شهادته غير مقبولة لما جاز له التأذين.

الوجه الثاني: أن من يستمع لأذانه هو في حكم الأعمى لأنه لا يراه، ومع ذلك يصح له أن يشهد أنه سمع صوته (6) .

3 ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستعمل ابن أم مكتوم على المدينة إذا سافر، ولو كانت شهادته غير مقبولة لما استعمله (7) .

(1) ـ الاستذكار لابن عبدالبر 2/ 261، وانظر: شرح الزرقاني 1/ 432.

(2) ـ المدونة، 5/ 122.

(3) ـ المغني: ابن قدامة المقدسي، 12/ 62.

(4) ـ عقد الزواج عبر الإنترنت: المزروع بتصرف، ص.1 ــ ص 11.

(5) ـ أخرجه البخاري في الصحيح، باب: شهادة الأعمى، حديث رقم (2513) .

(6) ـ ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 8/ 32، التمهيد لابن عبد البر 10/ 61، شرح النووي على مسلم 7/ 202، فتح الباري لابن رجب 3/ 500، طرح التثريب للعراقي 2/ 185، فتح الباري لابن حجر 5/ 265.

(7) ـ مصنف عبدالرزاق 8/ 323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت