بعد أن آمن بجميع الغيبيات وبعد أن ادعى بإمكان رؤيتها روية عقلية في المكاشفات الصوفية اختار منهج التأويل البعيد فجعل الغيبيات كلها معنوية، ورفض أن يكون لها وجود مادي أو مكان يحتل به، فيرى الجنة والنار والحياة بعد الممات (1) حتى آدم وحواء وهبوطهما (2) أشياء خيالية ولها معان متغايرة ومخالفة لفهم السلف، إلا أنه ذهب مذهب العراقي في إثبات مكان لطيف لله يليق بجلاله، وبعد هذا الإثبات خالف منهج السلف في اعتقاده بأن الله عز وجل متصل بمخلوقاته كاتصال الروح بالجسد (3) غير متباين عن خلقه (4) .
ومنهج التأويل البعيد قد ذهب بإقبال إلى البحث عن أعذار شرعية لدعاوى الكفر عند الصوفية، فيرى أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم"تخلقوا بأخلاق الله"اهـ (5) وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يزال العبد يتقرب إليه"اهـ (6) وغيرهما من الأقوال التي دفعت الصوفية إلى المشاهدات والواردات والكشوفات، فحصل لهم التقرب والاتصال، وعبروا عن هذا الاتصال بقولهم"أنا الحق"أو"أنا الدهر"أو"أنا القرآن الناطق" (7) أو"سبحاني ما أعظم شأني" (8) وهذه مراتب عليا من التصوف الإسلامي وما كان قصدهم من هذا الاتحاد والتقرب أن الذات المتناهي انجذب إلى
(1) ينظر تشكيل جديد لإقبال ص: 185 - 186.
(2) ينظر المرجع السابق ص: 127 - 128.
(3) ينظر المرجع السابق ص: 208.
(4) وسيأتي الرد بعد ذكر أقوله في ذلك بالتفصيل في الفصول القادمة. ينظر ص: 271.
(5) قال الشيخ الألباني:"لا نعرف له أصلا في شيء من كتب السنة" (شرح الطحاوية مع تخريج الألباني، المكتب الإسلامي بيروت ط/5 - 1399 هـ ص: 123) .
(6) أخرجه البخاري كناب الرقاق، باب التواضع (6502) 11/ 340 - 341.
(7) نسبت الشيعة هذا القول إلى علي رضي الله عنه وأصله: هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق (الفصول المهمة في أصول الأئمة لمحمد بن حسن ص: 235) .
(8) قاله الصوفي المشهور ببايزيد البسطاني.