آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، فليس فيه ما يدل على أن لوطًا -عَلَيْهِ السَّلَام- قد نسي ربه وسها عنه في هذا الموقف، بل غاية ما فيه أن لوطًا -عَلَيْهِ السَّلَام- تمنى أن لو كان ذا كثرة ومنعة من قوم أو عشيرة، حتى يستعين بهم في حماية أضيافه، وهذا لا إشكال فيه كما تقدم.
قال الطحاوي -رَحِمَهُ الله- -معلقًا على هذا الحديث-:"فدل ذلك أن قول لوط هذا، كان لأنه لم يكن في ثروة من قومه، يكونون له ركنًا يأوي إليهم" (1) .
معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي) :
أراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهذا: الثناء على يوسف -عَلَيْهِ السَّلَام-، وبيان فضله، وقوة صبره وحزمه، حيث إنه لما جاءه رسول الملك، آذِنًا له بالخروج، لم يبادر إلى الخروج -كما هو مقتضى الطبيعة- مع أنه مكث في السجن بضع سنين، بل قال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50] ، قال ذلك: حتى تظهر براءته وتتبين مظلمته، فيخرج خروج من له الحجة، لا خروج من قد عفي عنه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- -تواضعًا منه وأدبًا-: (لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة.
فقوله: (الداعي) أي: داعي الخروج من السجن.
هذا هو معنى الحديث عند أهل العلم، كابن قتيبة والطحاوي والخطابي (2) والبغوي وابن عطية (3) ، والمازري (4) والقاضي عياض (5) وابن
(1) شرح مشكل الآثار (تحفة 1/ 187) .
(2) انظر: أعلام الحديث (3/ 1546 - 1547) .
(3) انظر: المحرر الوجيز (9/ 316 - 318) .
(4) انظر: المعلم (1/ 213) .
(5) انظر: إكمال المعلم (1/ 465) .