أما القول الثاني وهو: أن العين التي فقأها موسى عليه السلام، إنما هي تمثيل وتخييل، لا عينًا حقيقة، لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد رأى جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها، سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض، ففي الصحيحين من حديث عائشة، أنها سألته عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) } [التكوير: 23] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) } [النجم: 13] ، فقال: (إنما هو جبريل لم أرَه على صورته التي خُلِق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض) (1) .
ولهذا قال القرطبي: هذا القول لا يُلتفت إليه لظهور فساده، فإنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة والأدلة المعقولة (2) .
ثم إن هذا القول -أيضًا- لم يُزل الإشكال، لأنه يمكن أن يُقال: إذا كان قد علم أنه ملك، وأن ذلك تخييل، فلماذا يلطمه، ويقابله بهذه المقابلة؟ ! هذا مما لا يليق بالنبي (3) .
وأما القول الثالث وهو: أن موسى قد أُذن له بهذا الفعل، ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فالجواب عنه، أن يُقال: إن كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني القدري، فهو صحيح، لكن ليس هذا جوابًا، لأن كل شيء يقع فهو بإذن الله تعالى الكوني القدري.
(1) البخاري (4/ 1840) ح (4574) ، ومسلم واللفظ له (3/ 10) ح (177) .
(2) انظر: المفهم (6/ 221) .
(3) انظر: المعلم (3/ 132) .