ذلك، وحُكِيَ إجماعُ الخلقِ والعقلاءِ على إثباتِ الصوتِ والحرف، وأنَّ القولَ بنفيِهِ لا يُعرَفُ قبلَ ابنِ كُلَّابٍ والقَلانِسيِّ، والصالحيِّ والأشعريّ، إلا ما كان مِن الجَهْميةِ والمعتزلة مِن نَفْيِهم لكلام الله كُلِّه.
قال أحمدُ بن حنبلٍ:"إنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بالصَّوْتِ والحَرْفِ"؛ فكان يُبطِلُ الحكايةَ، ويُضِلُّ القائلَ بذلك؛ كما نقَلَهُ عنه عبدُ الواحدِ بنُ الحارِثِ التميميُّ في"اعتقاد أحمد" (1) ، وقد نصَّ على ذلك البخاريُّ في كتابِهِ"خَلْقِ أفعالِ العباد" (2) ؛ فقال:"صوتُ اللهِ لا يُشبِهُ صوتَ الخَلْق؛ لأنَّ صوتَ اللهِ يُسمَعُ مِن بُعْدٍ، كما يُسمَعُ مِن قُرْبٍ".
ولا يَمنَعُ صوتَ الله حواجز، ولا يحتاجُ في إبلاغه إلى هواء، وإنما يُسمِعُه اللهُ مَن يشاء، ويَحجِزُ عنه مَن يشاء.
وكان أحمَدُ يَجعَلُ نفيَ الصوتِ والحرفِ هو قولَ الجهميَّة؛ لأنه يؤدِّي إلى أصلٍ واحدٍ، وهو التعطيلُ (3) .
وقد نقَلَ عبدُ الله، عن أبيهِ أحمدَ بنِ حنبلِ:"أنه سُئِلَ عن قومِ يقولونَ: لمَّا كلَّم اللهُ مُوسَى، لم يَتكلَّمْ بصوتٍ، فقال أبي: بل تَكَلّمَ بصَوْتٍ؛ هذه الأحاديثُ تُروَى كما جاءَتْ" (4) ، ونقَلَ عنه عبدُ اللهِ والمَرْوَزِيُّ وصفَهُ مَن ينفي الصوتَ بالجَهْميِّ (5) .
وأعظَمُ ما جعَلَ طوائفَ المتكلِّمينَ يقولونَ بنفيِ الصوتِ والحرفِ: أنَّهم أصَّلوا قواعدَ كلاميَّةً تجري على المخلوقاتِ؛ فأرادوا إجراءَها على
(1) "اعتقاد أحمد" (ص 33 و 36) .
(2) "خلق أفعال العباد" (2/ 240) .
(3) "السُّنَّة"لعبد الله (534) .
(4) "السُّنَّة" (533) .
(5) "السُّنَّة"لعبد الله (534) ، و"شرح العقيدة الأصفهانية" (ص 68) .