فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 344

وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] ، قال بعد ذلك متوعِّدًا: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] ؛ وبهذا فسَّرها الصحابةُ والتابِعُونَ، ولا خلافَ بينهم في ذلك (1) .

ولكنْ مَن نظَرَ في هذه الآية، نظَرَ إلى كلمةٍ منها؛ وهي قولُهُ: {فَمَنْ شَاءَ} [الكهف: 29] ، ولم ينظُرْ إلى السياقِ؛ فتوهَّم أنَّ المشيئةَ تعني حرِّيَّةَ الاختيار، والمشيئةُ هنا هي كقولِهِ تعالى: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] .

ولم يَختلِفِ المفسِّرونَ مِن السَّلَفِ على صِحَّةِ هذا المعنى؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، وابنُ زَيْد (2) .

وجاء بمعناه الحديثُ؛ كما في قولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: (الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؛ فَحَافِظْ عَلَى وَالِدَيْكَ أَوِ اتْرُكْ) (3) ؛ وليس هذا تخييرًا بين العقوقِ والبِرِّ؛ وهو معروفٌ في لسانِ العرَبِ؛ فتأمُرُ بالشيءِ وتخيِّرُ فيه، والمرادُ: الوعيدُ والتهديد؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 55] ؛ وليس في هذا أمرٌ بالكفرِ، ولكنَّه تهديد.

وكما يكونُ في التهديدِ والوعيدِ يكونُ في الرجاءِ؛ لكنَّه لا يُفهَمُ مِن مثلِ هذا السياقِ التخييرُ؛ كما في قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (4) ؛ فلا يقولُ عاقلٌ:"إنه يجوزُ لأهلِ بَدْرٍ الكفرُ والفسوقُ والعِصْيانُ"، ولكنَّ الآيةَ السابقةَ

(1) "تفسير الطبري" (15/ 244 - 245) ، و"الدر المنثور" (9/ 529) .

(2) الموضع السابق.

(3) الترمذي (1900) ، وابن ماجه (2089 و 3663) من حديث أبي الدرداء.

(4) البخاري (3007) ، ومسلم (2494) من حديث علي بن أبي طالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت