فهرس الكتاب
قال الإمام النووي:"فيه دليل لاستحباب قول المضحّي حال الذبح مع التسمية والتكبير: اللهم! تقبّل مني" (1) .
ومن أحكام ذلك أنه إذا ذبح أو نحر لم يجز في حقه بيع جلد الهدي أو الأضحية ولا شيء مما يتعلق بهما، ومثله ما لو أعطى شيئًا منها للجزّار بسبب جزارته (2) .
فالهدي والأضحية تطوعًا أو واجبًا سواء بسواء، والحكم الشرعي فيهما واحد من حيث إنه لا يجوز بيع شيء منها، ولا إعطاء الجلد أُجرة للجزار، بيد أنهما يفترقان من حيث إنَّ التطوع للمهدي أو المضحي أن ينتفع بجلده وغيره لبسًا وما شابهه، أما الواجب فلا ينتفع به لا بيعًا ولا لبسًا، ولا بأيّ وجه آخر (3) .
دليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم بلفظه عن علي قال:"أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها (4) ، وأن لا أعطي الجزار منها (5) ."
قال: نحن نعطيه من عندنا" (6) ."
(1) شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 106.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 435، وانظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر: الباب الثامن في الهدي والأضحية ص 180.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 435.
(4) هذا يعني أنها تجلّل، أي: تغطى بجلال، قال إمامنا النووي:"قال القاضي: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختص بالإبل، وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: وممّن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق. قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونِفاستها، بحسب حال المُهْدي". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 435 - 436.
(5) قال الإمام ابن حجر العسقلاني ج 3 ص 702 - 703:"والنهي عن إعطاء الجزار المرادُ به أن لايعطي منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في شرح السنة قال: وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك".
والرأي عندي ـ إن جاز لي ذلك ـ أن الأحوط أن لا يُعطي الجزار منها شيئًا جلدًا أو غيره فيما لو كان فقيرًا، ولو بنية الصدقة لنعت المسكنة عنده؛ خشية أن يستدرج ذلك مَن ذبحها وسلخها للتنازل عن جزء من أجرته مقابل ما قدّم له من تلك الأضحية، فإذا بالصدقة تتحول من غير تصريح منه، إلى أجرة على عمل الجزار، فإغلاق هذا الباب أولى سدًَّا للذرائع، لذلك نجد العلامة ابن حجر العسقلاني ينقل لنا بعد سياق النص السابق كلامًا آخر جاء فيه:"وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجر؛ لأجل ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة".
(6) صحيح مسلم (1317/ 348) ، والبخاري باب: لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا.