الصفحة 103 من 221

ذهب الجمهور من الحنفيّة والحنابلة والشافعية إلى فساد هذا البيع في هذه الصورة للجهالة، ويصح العقد إن زالت الجهالة في مجلس العقد عند الحنفيّة، نظرًا لأن مجلس العقد يجمع المتفرقات. والمقصود بالجهالة جهالة الثمن، إذ لم يجزم بأحد الثمنين، ممّا يورث جهالة في العقد وتنازعًا. (1)

أما المالكيّة: ففرَّقوا بين أن يكون العقد لازمًا بأحد الثمنين أو غير لازم، فإن كان لازمًا لأحد الثمنين، فالحكم الفساد عندهم ؛ وإن كان غير لازم، فالحكم الصحّة، نظرًا لأنهم لم يعلِّلوا فساد المسألة بما علَّل به الجمهور من جهالة الثمن والغرر، بل علَّلوا بالذريعة الربوية التي يمكن أن تؤدي إلى الربا. وتفسير ذلك أن المشتري قد يختار أولًا في قرارة نفسه إنفاذ العقد بأحد الثمنين المؤجَّل أو المعجَّل، ثم يبدو له غير ذلك، فيكون حينئذ قد ترك أحد الثمنين إلى الآخر، أي كأنه باع أحد الثمنين بالثمن الآخر، وسبب ذلك أنه عندما اختار في قرارة نفسه أحد الثمنين فكأنَّما ملك السلعة به، والحال أن العقد لازم على كل حال، ثم غيَّر رأيه واختار الثمن الآخر، فقد آل الأمر إلى أنه استبدل ثمنًا عاجلًا بآخر آجلٍ مع تفاضل أو العكس. وهذا هو الربا.

أمّا إذا كان الخيار للمشتري بعدم التزامه بالبيع أصلًا، فَتَنْتَفي هذه الشبهة، لأن العقد غير لازم أصلًا، فلا عبرة حينئذٍ بالانتقال من ثمن إلى ثمن في اختيار المشتري مادام غير لازم في حقِّه، ولم يصرِّح بإنفاذه البيع بأحد الثمنين. (2)

قال الإمام مالك في رجل ابتاع سلعةً من رجل بعشرة دنانير نقدًا، وبخمسة عشر إلى أجل وقد وجبت للمشتري بأحد الثمنين: ( إنه لا ينبغي ذلك، لأنه إن أخَّر العشرة، كانت خمسة عشر إلى أجل، وإن نقد العشرة، كان إنَّما اشترى بها الخمسة عشر إلى أجل ) .

(1) المهذب للشيرازي: 1/266. بدائع الصنائع للكاساني: 5/158. المغني لابن قدامة:6/ 333.

(2) بداية المجتهد لابن رشد (الحفيد) : 2/116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت