الصفحة 113 من 221

الحقيقة أن الباحث في فقه المالكية في مسائل العينة والآجال يرى اضطرابًا في التكييف والتعليل، وما ذاك إلا لتوسّع المالكية في الذرائع الربوية، وأخذهم بالذرائع البعيدة، وذاك أمر يتفاوت فيه النظر والتكييف بحسب الواقعة، ولمحاولتهم دعم ما يحكمون عليه بالحرمة ـ سدًا لذريعة الربا ـ بضوابط نصيّة جعلوا كثيرًا منها تصبُّ في مجرىً واحد هو سد الربا وذرائعه، مع أن هذه الضوابط ـ والتي منها البيعتان في بيعة ـ مختلف في ثبوتها ومعانيها المقصودة منها. وقد سبق أن رأينا كيف أن الإمام مالك وكثيرًا من أتباعه عللوا فساد صورة ( أبيعك هذه بعشرة نقدًا وبخمسة عشر إلى أجل ) مع الافتراق دون تحديد أحد الثمنين ليلزم به العقد بالربا على النحو الذي تقدم من احتمال اختيار أحد الثمنين أولًا ثم العدول عنه إلى الآخر، مع أن الجمهور منعوا تلك الصورة لأجل الغرر وجهالة الثمن (1) .

ثم إننا نرى الإمام مالكًا أحيانًا يُؤْثَر عنه القولان في الواقعة الواحدة بالصحة والفساد، كما سنرى ذلك في المبحث القادم حين الحديث عن شبهة بيع البائع ما ليس عنده. وهذا يؤكد حصول الاضطراب في هذه المسائل، مسائل العينة والآجال.

المبحث الثالث

شبهة بيع ما ليس عند البائع

أولًا ـ الأحاديث العامة الواردة في بيع ما ليس عند البائع:

وردت أحاديث كثيرة خاصةٌ بالنهي عن بيع الطعام إذا لم يكن عند البائع، ولكن الذي يعنينا هو ما كان من النهي نهيًا عامًا في الطعام وغيره.

(1) انظر ص (106) من هذا البحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت