فهرس الكتاب
هذا، ولمّا كان الأمرُ أمرَ احتياط عند المالكية وسدٍّ للذرائع، ولو البعيدة منها، فقد اضطربت أقوالهم وتفاوتت، حتى أُثِر القولان المختلفان في المسألة الواحدة، إذ أن الذرائع إنْ جعلت أصلًا في هذه البيوع، اختلف التكييف والتعليل بحسب الواقعة وظروفها، وحسب حال الناس إقبالًا عليها وإدبارًا، فهاهو الإمام مالك يقول في مسألة (اشتر بعشرة نقدًا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل) كما روى سحنون (1) عن ابن القاسم وحكاه عن مالك: لا يجوز، وإن وقع ذلك، فإن الآمر يلزمه الشراء باثني عشر إلى الأجل، لأن المشتري كان ضامنًا للسلعة لو تلفت في يده قبل أن يشتريها منه الآمر. قال ذلك مرّةً، وأضاف: ولو أراد أن لا يأخذها بعد شراء المأمور، كان له ذلك، واستحب للمأمور أن يتورّع فلا يأخذ إلا ما نقد. (2)
فتعليله ذلك بضمان المشتري للسلعة لو هلكت صريح في أن المأمور كان مالكًا للسلعة قبل بيعها للآمر، أم كيف يضمنها دون أن يملكها ؟!!
وهكذا نرى شدَّة احتياط المالكية،وتوسعهم في الشبه، وإعمالهم للذرائع، فقد جعلهم ذلك يتوسعون في التحريم والكراهة. وممّا يؤكّدُ احتياطهم في شأن المواعدة وأثرها، وجعلهم المواعدة في شبهة العقد: أنهم لم يجيزوا المواعدة على الصرف. يقول ابن رشد: (فلا يجوز في الصرف ولا في بيع الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة مواعدة ولا خيار ولا كفالة ولا حوالة، ولا يصح إلا بالمناجزة000) (3)
(1) سحنون: عبد السلام بن سعيد التنوخي، ولد سنة 160هـ، لقب بسحنون، أصله من حمص، فقيه مالكي، تفقه على ابن القاسم وأشهب، ولّي قضاء القيروان، صنف كتاب المدونة عن الإمام مالك، توفي سنة 240هـ. شجرة النور الزكية لمحمد خلوف: ص69.
(2) المدونة للإمام مالك: 5/402.
(3) المقدمات الممهدات لابن رشد (الجد) :2/15.