الصفحة 126 من 221

وتفسير ذلك أن الصرف يقتضي التقابض في مجلس العقد، وهم ما منعوا التواعد إلا لخشية أن يكون التقاء إرادتي المتصارفين على إيقاع الصرف قد انبثق من التواعد، لا من عقد الصرف الذي تمَّ بينهما لاحقًا، فيكون للتواعد شبهة ذلك العقد، فينتج عن هذا عقد صرف بلا تقابضٍ حالّ.

ثم إن من المالكية من أجاز عقد الصرف الناشئ عن المواعدة بعد وقوعه، وهو مذهب ابن القاسم. ومنهم من أوجب الفسخ، وهو أصبغ. ووفَّق ابن رشد بين القولين بحمل كلام ابن القاسم على حالةٍ لم يتراوض فيها المتواعدان على السوم بتحديد بدل الصرف ومقداره، بل قال أحدهما للآخر: اذهب معي أصرفْ منك، وحمل كلام أصبغ على حالةٍ تراوض فيها المتواعدان على السوم فقال أحدهما للآخر: اذهب معي أصرف منك ذهبًا ـ مثلًا ـ بكذا وكذا. (1)

وبالنظر في توفيق ابن رشد بين القولين، يتبيَّن واضحًا أثر توفّر شروط العقد في المواعدة على مشابهة تلك المواعدة للعقد وإعطائها شبهته، إذ حين تحدد سعر الصرف وبدله في المواعدة ـ وذلك مما يشترط تحديده في عقد الصرف ـ وجب فسخ العقد الناشئ عن المواعدة، وحيث لم يتم تحديد ذلك أجيز العقد. وذلك نظير ما سبق في العينة حيث عُدَّ مكروهًا منها صورة ٌ نُصَّ فيها على أصل الربح دون قدره، وحرامًا صورةٌ نُصَّ فيها على قدر الربح، فتحدَّد الثمن. فهنا قد فسد عقد الصرف نتيجة المواعدة بعد أن تضمنت هذا المواعدة شبهة عقد الصرف، ولم يحصل تقابض في الحال، وهناك قد فسدت العينة للمواعدة التي نصَّ فيها على الربح وقدره، فتضمنت تلك المواعدة شبهة عقد، فأورثت بيعتين في بيعة، وبيع ما ليس مملوكًا.

(1) المقدمات الممهدات لابن رشد (الجد) : 2/15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت