الصفحة 127 من 221

وبمقابل قول المالكية، نجد أن الشافعية قد أجازوا المواعدة على الصرف. قال الإمام الشافعي في الأم: ( وإذا تواعد الرجلان الصرف، فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة ثم يقرانها عند أحدهما حتى يتبايعا ويصنعا بها ما شاءا ) (1) وذلك لأن الإمام الشافعي لم يرَ في المواعدة هنا بيعًا حتى يقولَ بحرمتها، وهذا ما صرَّح به ابن حزم بقوله: ( والتواعد في بيع الذهب بالذهب، أو بالفضّة في بيع الفضّة بالفضّة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز، تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا، لأن التواعد ليس بيعًا) (2) .

نتيجة:

ممّا تقدّم، نرى أن قول المالكية بوقوع شبهة بيع ما ليس عند البائع على مسألة الباب لمطلق المواعدة، إنما هو من باب التوسّع في الشبه احتياطًا، وإعطاء شبهة الشيء حكم حقيقة، كما هو شأن المالكية. وهذا أمر خاص بهم، ومبدأ من مبادئهم قد توسّعوا فيه، ولكنهم مع ذلك قد أصابوا من حيث إن هذه المسألة تحتمل طروء شبهة بيع ما ليس عند البائع عليها، وخطؤهم أنهم قالوا بذلك عند مطلق المواعدة، ولم يقيدوها بالملزم منها، إذ حال الإلزام فقط يمكن أن يقال حقًا بوقوع هذه الشبهة وقوعًا مستقلًا عن الربا وذرائعه، وعن الشبه والتوسع فيها، لتضمن الوعد الملزم حينئذٍ حكم العقد، كما صرَّح بذلك من لا يأخذ بذرائع الربا، ولا يتوسّع في الشبه، كما سيأتي. بل إن وقوع هذه الشبهة يكون على التصريح عند المالكية حال الإلزام، بناءً على أصل ابن العربي المتقدم.

المبحث الرابع

شبهة السلف بزيادة

أولًا ـ معنى السلف

يراد بالسلف فقهًا معنيان: 1- القرض، 2- السلم.

والمعنى المراد في هذا المبحث هو القرض، أي القرض بزيادة، وذلك يعني ربا الدين أو ربا القرض، وله صورتان:

(1) الأم للإمام الشافعي: 3/32. ومعنى يقرانها هنا: يجعلاها.

(2) المحلّى لابن حزم: مسألة (1501) ، 8/513.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت