فهرس الكتاب
هل ثمَّ فرق في الشريعة الإسلامية بين ملزمٍ ديانةً وملزم قضاءً ؟ أي هل هناك ما يكون ملزمًا ديانةً ولا يكون ملزمًا قضاءً. وبعبارة أخرى: هل يمكن لمن يقول بأن الوعد لازم الوفاء به أن يقول: هو ملزم ديانةً فيما بين العبد وربِّه، وليس ملزمًا أمام القضاء إن رفع الأمر إليه.
الجواب: إنَّه من المعلوم أن الشريعة الإسلامية قائمةٌ على الظاهر والباطن معًا، وكل لازم ديانةً لازم قضاءً إذا أمكن الاطلاع عليه وتعلَّق به حق الغير، لأن القضاء قائم على الظاهر ويستدعي طالب حق. وقد يكون هذا الحق أيضًا حقًَّا لله سبحانه وتعالى لا مطالب له من جهة العباد، كما لو أهمل مالك الدوّاب دوابَّه فلم يُطعمها حتى تعرَّضت للهلاك، فإن للقضاء هنا أن يتدخل فيُلزم ذلك المالك برعاية دوابّه، مع أن رعاية الحيوان المنتفع به وترك الضرر به واجب دياني في الأصل.
فعلى هذا، ما كان من قال بلزوم الوعد إذًا ليفرِّق بين لازم ديانة ولازم قضاءً فيقول: الوعد لازم ديانةً وليس لازمًا قضاءً، ما دام قد تعلَّق بالوعد حق للموعود يُقره القضاء، واطلَع الموعود عليه، إذ القضاء حارس على حكم الشريعة ومنفذ له.
وقد سبق تصريح بعض من قال بلزوم الوعد بالقضاء به، فقد صرَّح المالكيّة بذلك إن دخل الموعود بسبب الوعد المعلَّق على سبب في شيء ـ أي في كلفة ـ وهو القول الراجح عندهم، وقد سبق القضاء بالوعد عن عمر بن عبد العزيز، وابن الأشوع، وابن شبرمة، ولا مناص من حمل ذلك على حالةٍ تضرّر فيها الموعود ودخل في كلفة. (1)
المبحث الثالث
منشأ الشبهة بين العقد والوعد الملزم وأثر ذلك
(1) انظر ص (143) من هذا البحث، وانظر للتوسع في ذلك، وفي مسألة شمول الوعد بالمعاوضات كتاب د. القرضاوي: بيع المرابحة للآمر بالشراء ص: 76 وما بعدها.