فهرس الكتاب
وممّا يدعم عدم شمول الوعد الملزم ـ عند من قال بلزومه ـ جانب المعاوضات وبخاصَّةٍ فيما يكون بين طرفين اثنين، أن المالكيَّة ـ و هم من انتهى إليهم القول بلزوم الوعد على اختلاف حالاته من بين فقهاء المذاهب كما سبق ـ يفهم كلامهم في مسائل العينة عندهم ـ والتي منها مسألة البحث ـ أن المواعدة في تلك المسائل لا دخل للإلزام فيها، ولولا هذا التصريح منهم غير مرَّة، لأمكن تفسير أقوالهم في بناء محاذير العينة من بيعتين في بيعة، وبيع ما ليس عند البائع، وسلف بزيادة على قولهم بلزوم الوعد، إذْ أنَّ بناء هذه المحاذير لا يكون على التصريح إلا في حال لزوم الوعد، أمّا في غير هذه الحال، فهو من باب الشبهة وسد الذريعة كما سبق ذكره مفصَّلًا 0
يقول ابن العربي المالكي مفسِّرًا للبيعتين في بيعه، وأن العينة تنطبق عليها، وهو ما سمّاه ببيع ما ليس عندك: ( إذا جاء الرجل فقال لآخر اشتر لي. أو: اشتر سلعة بكذا. أو: بما اشتريتها و بعها منى بكذا0000 قال: أمّا تفسيره ببيع ما ليس عندك 000 ولا يمكن تفسيره به على التصريح إلا إذا شارطه عليه و التزم له ما يشتري، أمّا إذا فاوضه فيه و أوعده عليه، فليس يكون حرامًا محضًا ولكن من باب شبهة الحرام والذريعة به) (1)
فقد جعل ابن العربي هنا المواعدة بمقابلة الاشتراط و الالتزام.
كما جعلوا هذه المواعدة من قبيل المراوضة، و المراوضة لا تكون اتِّفاقًا ملزمًا، فقد أُثِر تسمية هذه المواعدة مراوضةً، إذ علَّل الإمام مالك بالمراوضة مرَّةً حرمة صورة ( اشتر سلعة كذا بعشرة وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل ) ، (2) وهي مواعدة كما علم.
كل ذلك يدلّ على عدم شمول المواعدة التي تكون في أمور المعارضات للوعد الذي تحدَّث الفقهاء في حكم لزومه.
رابعًا ـ الإلزام الدّياني والقضائي:
(1) شرح سنن الترمذي لابن العربي: 5/240.
(2) المدونة للإمام مالك: 5/402.