فهرس الكتاب
وقد علمنا، بناءً على أصول تلك المذاهب أن الشافعيّة والحنفيّة والظاهريّة يصححون تلك العقود، وبالمقابل فإن المالكيّة والحنابلة يبطلونها، إلا أن الحنفيّة مع تصحيحهم لتلك العقود استثنوا حالة من بيوع العينة ( الآجال عند المالكيّة ) خلت عن توسّط شخص ثالث فقالوا فيها بالفساد، وذلك لا لأنهم خالفوا مبدأهم في اعتبار الظاهر دون الباطن، بل لدليل آخر أوجب ذلك، وهو حديث السيّدة عائشة السابق مع زيد بن أرقم رضي الله عنهما (1) الذي نجد فيه أن المبيع يعود إلى البائع دون توسط ثالث، فتقيدوا بالنص، وصحّحوا ما عدا هذه الصورة. وممّا يدّل على أن الحنفيّة على مبدئهم في عدم إفساد عقد البيع بالقصد المحرّم، أنهم يقولون بصحّة بيع العنب لعاصر الخمر وإن علم البائع أن المشتري إنما سيتخذه لعصر الخمر وقصد إعانته، ولكن مع الحرمة حينئذ. (2)
فهذه مذاهب الفقهاء في اعتبار النيّة في العقود صحّةً وفسادًا، وسيأتي لاحقًا مناقشة ذلك لمعرفة الراجح إن شاء الله تعالى.
المبحث الثاني
مبدأ سد الذرائع
أولًا ـ تعريف الذرائع: عرًف الشوكاني الذريعة بقوله: هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصّل بها إلى فعل المحظور. (3)
ثانيًا ـ أخذ الفقهاء بالذرائع:
مبدأ سد الذرائع معمول به بالجملة بين مختلف الفقهاء، حتى عند من أخذ بظاهر الأمور ولم ينظر إلى المقاصد، ولكنَّ هؤلاء لم ينصّوا على اعتماد أصل الذرائع كأصل من أصول الفقه، بل عملوا به في بعض فروعهم.
ويتمسك المالكيّة بالذرائع كأصل من الأصول، وبالمقابل: يقف الشاقعيّة على النقيض منه، مع موافقتهم لهم أحيانًا.
(1) انظر ص (89) من هذا البحث.
(2) تكملة فتح القدير لقاضي زادة: 8/493.
(3) إرشاد الفحول للشوكاني:ص411.